وهم على الطرقات - بناء الدولة أم مساعدة الاحتلال../ ياسر الزعاترة

وهمّ على الطرقات" هو عنوان مقال للكاتبة الإسرائيلية اليسارية "عميره هس"، نشرته في صحيفة "هآرتس" يوم الأحد الماضي نتمنى أن يتأمله تماما مؤيدو خطة سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، ورافضو فكرة أن ما يجري على الأرض هو تكريس لبرنامج السلام الاقتصادي بحسب تسمية نتنياهو، وأن الدولة الفلسطينية الموعودة التي تبشرنا بها السلطة في رام الله لا تعدو أن تكون دولة الجدار الأمني على أقل من نصف الضفة الغربية منزوعة السيادة، من دون القدس بالطبع، مع إمكانية السماح لهم (إلى حين بالطبع) باستمرار القول إنهم يفاوضون على قضايا الوضع النهائي وإنهم لا يزالون متمسكين بالثوابت (ثوابتهم بالطبع).

بعد سنة على نشر خطة سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية قدمت الحكومة العتيدة كشفا بإنجازاتها فكانت كالتالي: (شق 16 طريقا جديدة، تحسين 40 طريقا قائمة، 34 مدرسة جديدة، توسيع أخرى، 11 عيادة جديدة، توسيع 30 أخرى، غرس 370 ألف شجرة).

التقرير يشير إلى أن هدف الطرق الجديدة هو "تحدي المحاولة الإسرائيلية لتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات منعزلة"، إضافة إلى زيادة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، لكن الكاتبة الإسرائيلية تتساءل "هل يدور الحديث بالفعل عن تحدّْ للنوايا الإسرائيلية؟ الطرقات المحسنة والموسعة في مناطق (أ) و (ب) تقصّر بالفعل زمن السفر بين المدن المختلفة وقرى كل محافظة، وهكذا يخلقون وهم قرب جغرافي، ولكن بالتدريج ينسى الناس أن الكثير من الطرق المحسنة ترمي لأن تكون فقط طرقا بين القرى (....) ودون أن يرغبوا في ذلك ينسون ما يكمن خلف هذه الطرق".

بعد ذلك تفضح الكاتبة الإسرائيلية حقيقة المشهد دون مواربة بالقول "الطرق التي يشقها ويحسّنها الفلسطينيون اليوم (بتبرعات من"USAID) تدخل في تصنيف "التواصل المواصلاتي الفلسطيني" الذي يتعارض ومبدأ "التواصل الإقليمي الفلسطيني". فالطرق والأنفاق تربط بين البلدات الفلسطينية المنقطعة وليس الأرض. وهي تسمح بإبقاء المنطقة (ج) التي تشكل 62 في المئة من أراضي الضفة كمجال حصري لتنمية المستوطنات وربطها بإسرائيل، وتعزز وهم السيادة الفلسطينية على كل ما تبقى".

لا تنسى الكاتبة الإسرائيلية الإشارة إلى منطق سلام فياض ومن معه، فهم برأيها واعون لهذه المشكلة، لكنهم يردون بالقول "هل الحل هو إبقاء الطرق متهالكة وخربة وخطيرة وعدم شق طرق جديدة"، لكنها بدورها ترد بالقول "بالطبع لا، لكن تعالوا على الأقل نعترف بأن الطرق الجديدة والمتجددة لا تتحدى الخطة الإسرائيلية، بل تنخرط فيها وتعزز منطقها الداخلي".

ثم يأتي من يسألك عن سر هجائك لمشروع بناء المؤسسات، متجاهلا حقيقة المشروع وانخراطه بشكل واضح في مخطط لتصفية القضية الفلسطينية، إذ لا أحد يكره تحسين شروط حياة الناس، وهي مهمة يجب أن تقع في الأساس على عاتق الدول العربية، لا سيما الغنية منها، مع العلم أن المدارس والمستوصفات وحتى الطرق كانت جزءًا من مسؤوليات الاحتلال قبل أوسلو ، لكن الأخير هو الذي حولها إلى السلطة التي ارتهنت للمانحين الدوليين، إلى جانب بقائها تحت رحمة الاحتلال الذي ينبغي أن يمنح الموافقة للرئيس نفسه إذا أراد الانتقال من مدينة إلى أخرى.

ما يجب أن نحدده هو ما إذا كان المشروع هو التحرير أم تحسين حياة الناس (في الضفة فقط وهم أقل من ربع الفلسطينيين) في ظل معادلة تجعل ذلك التحسين رهنا بالمانحين الدوليين وشروطهم، ورهنا بالاحتلال وما يوافق عليه؟.

ما يجري هو انخراط فعلي في برنامج الاحتلال الذي يسعى إلى تكريس دويلة هزيلة دون سيادة على أقل من نصف الضفة الغربية دون القدس، وأي كلام آخر هو محض هراء لأن الجميع يدركون أن هذا هو برنامج نتنياهو، وعلى من يرفضوه أن يخبرونا عن أدوات القوة لديهم، اللهم إلا إذا اعتقدوا أن التنسيق الأمني وشطب المقاومة يمكن أن يرقق قلب نتنياهو على نحو يدفعه إلى تحسين شروط دولتهم العتيدة.
"الدستور"