المشكلة ليست في المفاوضات وإنما في أوسلو وتوابعه../ ماجد عزام*

عبّر قرار الذهاب إلى المفاوضات المباشرة عن الواقع الفلسطيني بدقة حيث لا تكمن المشكلة في فكرة المفاوضات بحد ذاتها وإنما في المسار الذي تحكم بالسياسة الفلسطينية منذ أوسلو وحتى الآن والذي افرز سلطة أو بالأحرى سلطتين في الضفة وغزة تختلفان على كل شيء إلا على التهدئة أو الهدنة شبه المفتوحة مع إسرائيل.

عندما يقول الرئيس محمود عباس إن لا بديل عن التفاوض سوى التفاوض فهو يعبر بشفافية- نادرة في الساحة الفلسطينية- عن الذهنية التي لا تريد أو لا تستطيع أن ترى أي خيار بديل عن التفاوض العقيم والعبثي الذي لم ولن يؤدى إلى أي نتيجة، وهذا الفهم لا يعبر عن قناعات شخصية بقدر تعبيره عن المأساة أو الكارثة التي حلت بنا منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن.

تقوم فلسفة أوسلو أساسا على نبذ "العنف" واتباع الوسائل السلمية لحل الصراع مع إسرائيل عبر الحوار الثنائي والمباشر. أما تجلياته وعلى رأسها السلطة الفلسطينية بمؤسساتها المختلفة فهي لا تستطيع العيش بعيدا عن تفضلات ومساعدات إسرائيل ودعم المجتمع الدولي–أمريكا وحلفائها- سياسيا واقتصاديا. وبناء عليه تبدو السلطة أسيرة ورهينة للمعطيات والقيود السابقة ولا تستطيع- هذا إذا افترضنا أنها تريد- مغادرة مربع التفاوض والارتهان للمحتل والخارج ناهيك بنشوء شبكة من المصالح الخاصة والامتيازات التي يستفيد منها المئات بل الآلاف من كبار الموظفين في السلطة والتي تزيد من القيود والأعباء على إرادتهم السياسية والوطنية.

إذن رسم اتفاق أوسلو للسلطة مسارا صارما لا تستطيع مغادرته بسهولة وربطها بخيار التفاوض الذي لا بديل عنه تحت رحمة الجبروت والقهر الإسرائيلي منذ فترة قال وزير خارجية السلطة رياض المالكي –في رومانيا- إن ليس من العدل والإنصاف أن يدخل المجتمع الدولي الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى غرفة ثم يغلق الباب عليهما ما يتيح للأول الاستفراد بالثاني والاستفادة من ميزان القوى المختل لصالحه. السيد المالكي الأكاديمي البارز لم يمتلك الشجاعة لرسم المشهد كاملا والقول إن هذا بالضبط ما فعله اتفاق أوسلو وعرّابوه من النخبة الفلسطينية الحالية التي بات المالكي الآن عضوا أصيلا فيها.

مع كامل الاحترام والتقدير للاجتهادات والقراءات النقدية لقرار الذهاب إلى مفاوضات مباشرة إلا أن جذر المشكلة ليست هنا، ولا بد من مقاربة أكثر جدية تجاه السلطة الفلسطينية ودورها ووظيفتها الوطنية وبتفصيل أكثر في ظل وجود السلطة لا إمكانية سوى للمقاومة الشعبية والجماهيرية مع مقاومة سياسية عبر رفض التفاوض وفق الطريقة التي اتبعت منذ أوسلو حتى الآن، والإصرار على المرجعيات والشرعية الدولية، وإذا أراد ما يوصف بالمجتمع الدولي ابتزاز السلطة عبر قطع المساعدات عنها فليتحمل المسؤولية عن انهيارها وعودة الأمور إلى نقطة الصفر في فلسطين والمنطقة علما أن عملية التسوية والمفاوضات-ليست الدولة الفلسطينية- باتت مصلحة قومية أمريكية وضرورة حتى لحماية أرواح الجنود الأمريكيين المنتشرين في طول المنطقة وعرضها حسب تعبير الجنرال دجسفيد باتريويس.

المناضل الأسير مروان البرغوثي قال ذات مرة إننا بحاجة لقيادة خلاقة مبدعة تدمج بين المفاوضات والمقاومة الشعبية والجماهيرية على الأرض، وهو أمر غير متوافر حتما في القيادة الحالية، فهي أسيرة نظرية التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض، وبالتالي لا يمكن عمليا بلورة أي خيار بديل أو إجراء مراجعة جدية وشفافة ونزيهة بوجودها وتحت سيطرتها. وحتما فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن أوصلنا إلى هذه الحالة من الانقسام والتردي لا يستطيع ولا يملك الحق في فرصة أخرى.

في الأخير لا بد من القول إن المعطيات السابقة عن أوسلو وروحيته تنطبق أيضا على السلطة في غزة التي تكاد تخرج عن طورها للحفاظ على التهدئة غير المعلنة مع إسرائيل بوصفها ضرورة ومصلحة وطنية فلسطينية دون توضيح أسباب وصولنا إلى وضع باتت التهدئة فيه مصلحة للشعب الفلسطيني والتصعيد مصلحة للقوة القائمة بالاحتلال.

قضية المفاوضات المباشرة لا تثير الأسى تجاه المؤسسات وخوائها وإنما أيضا تجاه الانقسام الكارثي والمدمر للقضية الوطنية. وإلى أصحاب النوايا الحسنة من الانقساميين نقول إذا كنتم تسعون إلى وقف الاستئثار والتنازل والتفريط فهل وصلتم إلى مبتغاكم أم أن العكس قد حصل في ظل الانقسام بدليل الذهاب إلى المفاوضات وتجاهل الوقائع والمعطيات الراهنة في إسرائيل كما المزاج الشعبي الفلسطيني الرافض أيضا للقرار البائس والكارثي.