كانت عندنا جامعة../ فهمي هويدي

لا أعرف موقع اليمن في أولويات السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن، ولست واثقا من أنه مدرج أصلا على الأجندة. وفي ظل غياب مصر أو انسحابها لاحظت أن قطر تلعب دورا نشطا في تحقيق أو إنجاح المصالحة بين حكومة صنعاء الحوثيين. وأن السعودية حاضرة هناك بحكم متطلبات الجوار، وأن تركيا لها حضورها المتزايد على الصعيدين الاقتصادي والثقافي، وأن هناك لجنة مشتركة يمنية- تركية لدفع عجلة التعاون والتفاهم بين البلدين.

إزاء ذلك فأخشى أن يسقط اليمن بمضي الوقت من الذاكرة المصرية، رغم أن جيلنا لا يزال يذكر حجم ومدى الحضور المصري هناك في ستينيات القرن الماضي، في أعقاب نجاح الثورة على الحكم الإمامي.

وقد دعاني إلى التطرق للموضوع أنني اكتشفت مصادفة أن الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) أوفدت بعثة علمية لمسح اليمن وحضرموت في عام 1936 وأمضت هناك نحو سبعة أشهر، عادت بعدها بثروة كبيرة من المعلومات والانطباعات.

وقعت على تقرير البعثة في آخر كتاب «أرض العروبة» (صدر عام 1993) للدكتور سليمان حزين رحمه الله، وكان المؤلف الذي صار فيما بعد مديرا لجامعة أسيوط ووزيرا للثقافة على رأس تلك البعثة التي أوفدتها كليتا الآداب والعلوم حينذاك. إذ كان هو والدكتور خليل يحيى نامي يمثلان كلية الآداب، في حين مثل كلية العلوم الدكتور نصر شكري والأستاذ محمد توفيق الدسوقي.

أثارت انتباهي ودهشتي الفكرة. فأن يستشعر نفر من الباحثين المصريين في ذلك الوقت المبكر أهمية القيام ببحث ميداني لجزء قصي من الوطن العربي، فذلك تعبير عن عمق الانتماء والشعور بالمسؤولية. وأن يتوافق على ذلك المسؤولون في كليتي الآداب والعلوم، دون توجيه من أحد، وينتدبون للمهمة أربعة من الباحثين، ويشجعهم على هذه المهمة مدير الجامعة آنذاك الدكتور أحمد لطفي السيد، ويمول رحلتهم بألف جنيه مصري (كان الجنيه محترما وقيمته تجاوزت الإسترليني). فذلك مما يدل على جدية الأداء والحرص على تعميق الروابط وتعزيز الدور الريادي في مجال البحث والمعرفة.

استغرقت الرحلة الفترة ما بين شهري أبريل ونوفمبر من عام 1936 ــ هكذا كتب الدكتور سليمان حزين في تقريره ــ وأضاف: كان طريقنا (كما وضحته خريطة مرفقة) من عدن إلى لحج ثم إلى تعز وإقليم الحجرية في جنوب اليمن. ثم من تعز إلى المخا على ساحل تهامة الغربي لليمن، ثم إلى ميناء الجزيرة في شمال تهامة، ثم من الحديدة اتخذت البعثة طريق الحديدة فوق الهضبة العليا إلى صنعاء، ثم من صنعاء قامت برحلتين إلى شمال اليمن. ثم عادت إلى الحديدة عن طريق القوافل القديم. ومنها اتخذت البعثة طريق البحر إلى جزيرة بريم ثم إلى عدن والمكلا. ثم بالبر إلى الشحر التابعة لها. ثم اتجهت البعثة إلى وادي حضرموت حيث زارت تريم. ووصلت إلى مناطقها الشرقية والغربية، وركبت طريق القوافل في وادي دوعان إلى الخريبة، ثم المكلا مرة أخرى، ومنها بالبحر إلى عدن ومصر.

قطع أعضاء البعثة أثناء الرحلة نحو 2500 كيلو متر، منها الثلثان بالسيارات، والباقي على ظهور الدواب أو سيرا على الأقدام. وعادوا بكمية وفيرة من المواد الدراسية والمجموعات العلمية حول جيولوجيا المنطقة وجغرافيتها ومناخها وآثارها والسلالات البشرية واللهجات المحلية. وإلى جانب ما تعلق بالأرض والإنسان فإنها أجرت دراساتها على الحيوانات والحشرات أيضا، وجمعت نحو 6000 عينة الحيوانات الصغيرة. (نتائج الدراسات التي أجروها نشرت باللغتين الإنجليزية والفرنسية في عدد من أهم المجالات العلمية، خلال عامي 37 و1938).

خلال تلك الجولات حرص أعضاء البعثة على الاتصال بالمهتمين بشؤون العلم والتعليم والثقافة. ومن الملاحظات المهمة التي سجلها التقرير أنهم سمعوا من الشخصيات اليمنية التي التقوها تقديرا لمكانة مصر لكن «الكثرة منهم لم تكن لترى فيما تقوم به مصر وفاء كافيا لما ترتبه تلك المكانة من واجبات والتزامات». وقال بعضهم «إن مصر نفسها أصبحت شديدة الانهماك بشؤونها الخاصة، إلى حد لا يكاد يسمح لها بأن تقوم بحقوق الريادة بين أمم المشرق».

في ختام التقرير مقترحات عدة لتوثيق العلاقات الثقافية مع اليمن تراوحت بين تشكيل مجلس أعلى مشترك لتوحيد السياسة الثقافية في اليمن والعالم العربي، وتنشيط علاقة وزارة المعارف والجامعة بالمجتمع اليمني، وإيفاد البعثات التعليمية المصرية إلى اليمن ودعوة الطلبة اليمنيين إلى مصر...إلخ.

ينتاب المرء شعور بالاعتزاز والاكتئاب حين يفرغ من قراءة التقرير. الاعتزاز بدور الجامعة آنذاك، والاكتئاب لأن هذه الروح اختفت بعد 75 عاما. فلا الجامعة صارت جامعة، ولا مصر بقيت كما هي. لذلك لم يكن غريبا أن تخرج الجامعة من تصنيف الجامعات المحترمة في العالم، وأن تخرج مصر من التاريخ.