غزوة قاعة البروتستانت ونتائجها../ زكريا محمد

إذا كان سحب تقرير غولد ستون من أمام لجنة حقوق الإنسان قد شكل صدمة كبرى للوعي الفلسطيني الشعبي، فإن غزوة قاعة البروتستانت شكلت صدمة كبرى للوعي التنظيمي الفلسطيني، أي لوعي التنظيمات، ولوعي كادر ما تبقى من منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك أقسام كبيرة من كادر فتح. فقد اكتشف هذا الوعي أن النظام الذي بني تحت الاحتلال وصل إلى نقطة تحول جديدة، فهو:

1- لم يعد يطرد حماس خارجه فقط، بل صار على استعداد لطرد تنظيمات مؤسسة في منظمة التحرير، وتحويلها إلى شلل من الخوارج والملعونين.

2- أكثر من ذلك، فهو يطرد في الواقع فتح ذاتها، ويحل محلها، رسميا، أجهزته الأمنية. لم يعد بحاجة إلى فتح وجمهورها. فالأجهزة تكفيه.

مثل هذا النظام، ليس استمرارا (للنظام!) الذي كان يديره ياسر عرفات، بل يمثل قطيعة فعلية معه. وهي قطيعة تشبه القطيعة التي حصلت في مصر بين نظام ناصر ونظام السادات.

كان التركيز على القانون والديمقراطية والحريات وسيلة في يد هذا النظام لأمرين اثنين:

أولا: إلغاء تراث ياسر عرفات. إذ يمكن الهجوم على هذا التراث من خلال رفع شعار القانون والاستقرار، حيث اعترت (نظام!) الرئيس عرفات ثغرات من الفوضى ومن عدم الالتزام بالقانون، لكن على أرضية مشروع وطني مقاوم.

الثاني: مواجهة حماس. فحماس أصولية قمعية ضد الحريات وضد القانون. أما نحن فشرعيون وقانونيون ومع الحريات.

الآن، لم يعد هذا النظام، في ما يبدو، مهتما بهذين الأمرين. فقد تم مسح تراث ياسر عرفات في أغلبه، كما أن حماس حصرت في غزة، ولم تعد تشكل خطرا. ثم إن استحقاقات الوصول إلى تسوية، لن ترضي غالبية الشعب الفلسطيني بالتأكيد، اقتربت. وضروراتها فوق كل ضرورة. وأجهزة النظام إنما بنيت لهذه اللحظة بالذات، لحظة تمرير حلول غير مقبولة.

لذا اتخذ قرار القيام بغزوة قاعة البروتستانت.
وكان هذا قرارا استراتيجيا. لم يكن خطا أو صدفة. كان قرارا يشير إلى أن مرحلة قد انتهت، وان أخرى تليها.

يستحيل على المرء أن يصدق أن ما جرى في قاعة البروتستانت كان عمل ضباط، او حتى عمل جهاز وحده. من دون موافقة رأس النظام ومعرفته لم يكن هذا ليحدث.

الرئيس كان يدري. ولم لم يكن يدري لحصلت خضة كبرى في الأعلى. إذن، فغزوة قاعة البروتستانت كانت غزوة النظام لا غزوة جهاز. الرئيس كان يريد أن يُفهم من لا يفهم أنه ماض في طريقه، وانه لن يسمح لأحد بعرقلته، وان لا شيء اسمه الشعب هنا. السادات أيضا فعل ذلك. قرر أن يذهب إلى القدس وذهب. حطم الحاجز النفسي، ومضى. الفارق أن السادات استطاع بشكل ما أن يحيد غالبية الشعب المصري. أما هنا، فالرئيس يريد أن يفعل ذلك في مواجهة الأغلبية.

من أجل هذا حصلت الصدمة. صدمة في الشعبية. صدمة في الديمقراطية. صدمة في حزب الشعب. وصدمة في كادرات فتح حتى. صدمة بدرجات متفاوتة حسب تاريخ كل طرف وارتباطاته بالنظام. لكنها صدمة عميقة.

وإذا كان سحب تقرير غولد ستون قد فصل غالبية الناس عن النظام، فإن غزوة قاعة البروتستانت في طريقها لأن تفصل منظمة التحرير عن هذا النظام ذاته. النظام يفصل نفسه عن تقاليد منظمة التحرير، وعن تاريخها، وعن برنامجها، فتنفصل المنظمة، أو ما تبقى منها، عنه. هذه العملية قد تكون بطيئة ومتدرجة، لكن الشرخ حصل، والانفصال سيتم.

الآن، ما حصل أن رئيس الوزراء اعتبر الحدث محاولة لتوريطه وتلطيخ سمعته. لذا بادر إلى التبرؤ منه. وهكذا نجد رئيسا يغطي ما جرى، ويميع معناه، ورئيس وزراء ينتقده علنا. والكاسب في ذلك رئيس الوزراء، بلا شك. كاسب عند الناس، وكاسب عند الفصائل والكوادر.

على كل حال، من المؤكد أننا، وانطلاقا مما حدث، سنشهد خلال الشهور القادمة اصطفافات جديدة في الساحة الفلسطينية. فالاصطفافات السابقة التي وضعت فصائل المنظمة، عموما، في موقع أقرب إلى النظام وأبعد عن حماس، أي في موقع منحاز في الصراع، سوف تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن توازن جديد يضعها بين نظام غزة ونظام رام الله. ذلك أنه لا يمكن تفضيل خطر واحد منهما على خطر الآخر.