نقطة ومن أول السطر../ ظافر الخطيب*

كان أبو عمار يشعر بالرضا حين يخلق الالتباس المودي إلى أزمة في قلب الكيان الصهيوني، فاللعبة السياسية تقتضي أن تلعب على أوتار نقاط ضعف العدو، وكان التناغم على فساده بين تكتيك السياسي الفاسد وفعل المقاومة النقي يؤدي غالبا إلى عدم استقرار حكومات العدو.

كان الفعل الفلسطيني المتفاعل مع قضيته، بكل تفاصيله النضالية والمنسجم مع نضالات شعبنا في فلسطين 48 عاملاً حاسماً ومؤثراً في تقرير مستقبل الحكومة الصهيونية، حتى الكبار من قادة العدو، لم يكن باستطاعتهم الثبات، أمام وهج الدماء الفلسطينية المنسكبة على مدى العالم اجمع.

الآن يشعر نتنياهو بالرضا، فهناك حلٌ سحريٌ دائم، يأتيه المدد من كل صوب وحدب، فنتنياهو الصاعد على متن الفراغ الناشئ من القيادات الصهيونية التاريخية فارغٌ بدوره، يفتقد إلى حضوره الجاذب، لا بل إنه فارغٌ وفاسد، ليس فيه من شيء، سوى إحساسه بضرورة إعادة إنتاج ملك إسرائيل الجديد، فهو يملك حقاٌ ذلك الحلم، أن يكون بمثابة من يعطي الأمان النهائي لوجود دولة "إسرائيل" الأبدي والدائم، على كل أرض فلسطين، من رفح حتى الناقورة، وربما يزيد عليها سيادة مملكة إسرائيل على كل المدى الشرق أوسطي.

هكذا يضرب نتنياهو مجموعة عصافير بضربة فلسطينية واحدة.. وهكذا ينام نتياهو على رضا، فعلى الجبهة الداخلية ليس هناك غربان تنعق على وتر إخفاقاته، فاليسار الصهيوني ما زال يضرب على وتر التفكك والضعف، ووظيفة باراك أصلا هي أن لا يكون هناك يسار، والقوى العربية الفلسطينية تواجه الضربات، والتي كان آخرها ما حدث للنائبة الفلسطينية حنين الزعبي، والشيخ رائد صلاح، بالإضافة إلى اعتقال امير مخول وعمر سعيد.

ناهيك عن صمت ليفني التي تبدو و"كاديمها" وكأنها ضربت على رأسها من وقع التكتيكات التي اتبعها نتنياهو، كذلك الأمر مع اليمين الذي يبدو وكأنه انضبط خلف نتياهو، ويكفيه ما يناله في استطلاعات الرأي من تحسن في رصيده، خاصة انه في كل الأحوال غير مضطر للتنازل وهو يدرك انه لا نتنياهو ولا أوباما جديين في موضوعة إقامة الدولة، وفي أحسن الأحوال فإن أي دولة مفترضة لن تكون دولة، فإذا ما سار نتنياهو و حكومته على استراتيجية القضم الاستراتيجي للحلم الفلسطيني وللواقع الفلسطيني بمساعدة مباشرة وغير مباشرة من أهل الحلم، فإن أي دولة لن تقوم لها قيامة في المستقبل.

فماذا عن القيادة الفلسطينية؟
يتنازع القيادة الفلسطينية تيار التخبط و التنازع على إيقاع الأوهام و تيار ما العمل، كأن السابقين لم يتركوا في اللاحقين شيئا يرثونه، لا على مستوى القرار المنسجم مع المصلحة الفلسطينية العليا، ولا على مستوى التكتيك، فمنذ عقدين من الزمن وتكتيك التهافت ومن ثم المزيد من التهافت هو المتحكم في سلوك "قيادة" الشعب الفلسطيني، خاصة وهي تدلي بطوق النجاة لحكومة العدو في واحدة من اخطر أزماتها.

ومصيبة الشعب الفلسطيني في تلك (القيادة) التي ما انفكت تخلق الحيرة في عقول أبناء الشعب الفلسطيني فيحار في تصنيفيها، أهي معه أم عليه؟

يدرك الجميع أن ما نحن بصدده من وقائع تشكلت وأخرى تتشكل إنما تؤدي إلى شيء واحد، هو النهاية، وذلك استناداً للغة الأرقام السوداوية، بدءًا من الأرض وانتهاء بالإنسان، من مصادرة الأراضي إلى تجريف المنازل و بناء المستوطنات دون أن نغفل جدار الفصل العنصري الذي يأكل أراضي ما يسمى ب"دولة فلسطين".

يضاف إلى ذلك، مقدار اليأس المحقق داخل الإنسان الفلسطيني، وهو يأس محقق ليس بفعل السياسة العدوانية، بل بفعل الفشل المزمن لـ"لقيادة الفلسطينية" على اختلافها و تنوع مشاربها، و يكفي أن ندلل على ذلك بقراءة لاستطلاع للرأي بين الشباب الفلسطيني والذي يبين أن كل اثنين من أصل ثلاثة يرغبان بالهجرة إلى الخارج.

هذا إذا ما تجاهلنا قوانين أخرى لا ندرك سرها، وهي تلك المرتبطة بقدرة الشعب الفلسطيني على تحقيق المفاجآت، عن مدى تمسكه بحلمه التاريخي، الحلم الذي لم يستطع احد أن يزيله، فأصبح بمثابة قانون قدري يجب على أولياء الأمر أن يعيروه انتباههم، لأنه قانون حقيقي ويمكن قراءته بالعودة إلى التاريخ، ليس ذلك فسحب، بل تثبيته كقاعدة تحكم كل الأفكار، التكتيكات، القرارات، الإجراءات، التدابير.. والمنطلقة أصلا من فكرة واحدة، إن الحلم الفلسطيني والمدفوع فيه مهر غال جداً، يجب أن يترسخ أفقا لكل تحرك فلسطيني.