بيروت خالية من الأسلحة: الصوت صوت يعقوب../ زكريا محمد

بعد الاشتباك المؤسف بين عناصر من حزب الله والأحباش رفع شعار: بيروت خالية من الأسلحة. هذا الشعار كان قد رفع في بداية الثمانينات في مواجهة سلاح المقاومة الفلسطينية واللبنانية. وفيما بعد عرفنا أن رفعه كان إشارة إلى أن احتلال بيروت يقترب. وفيما بعد، عرفنا أيضا أن موضوع إخلاء بيروت من الأسلحة كان قد تم الاتفاق عليه في زيارة شارون لبيروت الشرقية.

لم يكن هدف الحملة حماية ناس بيروت من الأذى. كان هدفها تسهيل احتلال الإسرائيليين لبيروت.

أما نحن، فكنا غاضبين من الفوضى، ومن ممارسات المسلحين، فوقفنا مع الشعار، وصرخنا: يجب إخلاء بيروت من السلاح... يجب إزالة مخازن الأسلحة من وسط المدنيين. لم نكن ندرك أننا كنا بهذا نعمل كأدوات في حملة إسرائيلية منظمة تهدف إلى أن تخلى بيروت من السلاح كي يتم احتلالها بسهولة، ومن دون مقاومة.

بالطبع، تجاوز الرئيس عرفات أيامها هذه الدعوات، ولم يخل بيروت من السلاح.

لكن الحملة كانت قاسية ومريعة. لم تكن حملة إعلامية فقط. كانت حملة تفجيرات أيضا. فقد تم تفجير مخازن ذخيرة تحت بعض الأبنية. كما تم تدبير معارك بلا توقف في شوارع المدينة، إضافة إلى الانفجارات المتواصلة.

الآن، يستعاد هذا الشعار. لكن المستهدف سلاح حزب الله.
الحملة ذاتها، وبالطريقة ذاتها، أي عن طريق تدبير اشتباكات شوارع تذعر الناس، وتجعلهم يطالبون بإخلاء بيروت من السلاح.

فهل يكون الهدف هو ذاته: تسهيل احتلال جديد لبيروت؟
لا يمكن استبعاد ذلك. لا يمكن استبعاده أبدا.
صحيح أن الظروف تبدو مختلفة قليلا، لكن الأذن الحذرة لا تستطيع إلا أن تقارن ما يجري الآن، بما جرى قبل حصار بيروت.

ولو أن حملة نزع سلاح بيروت نجحت لما كانت بيروت قد صمدت وحاربت. لكانت سقطت مثل تفاحة ناضجة في فم شارون. وصمود بيروت في تلك الأيام، كان مقدمة لانبعاث روح المقاومة اللاحق، الذي انتهى بهروب إسرائيل من جنوب لبنان، وبالانتصار الذي تحقق عام 2006.

ليس ثمة براءة هنا، أقول لكم.
لقد خبرنا البراءة المدعاة قبيل حصار بيروت، واكتشفنا أننا نحن من كنا ساذجين وبريئين فقط. كنا نصرخ: أزيلوا السلاح من بيروت، وكان شارون يستمتع بصرخاتنا. فقد كانت هذه الصرخات مطلبه.

لكن عرفات العنيد لم يسمع صرخاتنا البريئة.
كان أكثر إدراكا منا.
كان يدري، ونحن لا ندري...
كان يعلم أن (اليدين يدا عيسى، لكن الصوت صوت يعقوب)، أي أن الصرخة صرختنا، لكن الصوت وراءها صوت شارون. فهو في الحقيقة من كان يقول: بيروت خالية من السلاح!