شعوب وثقافات مهددة بالانقراض../ جميل مطر

أمم صعدت وأمم انحدرت وأمم أكثر انفرطت أو تآكلت قبل أن تختفي. لم أنزل إلى بلد اختلطت سلالاته إلا وسعيت للتعرف إلى عائلات تنتمي إلى سلالة الشعوب الأصلية التي عاشت على هذه الأرض قبل أن يحط بها المستوطنون.

كان مثيراً في سانتا فيه بولاية نيو مكسيكو زيارة بيوت الأمريكيين من أصول هندية أو هندية إسبانية، وقد شيدت على نمط بيوت سكان شمال إفريقيا الذين غزوا جنوب إسبانيا. والإثارة الأكبر عندما تتحدث معهم، أو مع أقرانهم من سكان أقاليم نائية في شيلي، عما تبقى في وعيهم من تراث وأساطير وعقائد.

تطلعت دائماً وبشغف إلى جمع كل ما يمكن الاطلاع عليه من معلومات وتحليلات عن أحوال الشعوب الأصلية، عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها. دفعني إلى هذا الاهتمام شعوري بأن الروايات الحقيقية عن حياة وبقاء وفناء أغلب هذه الشعوب لم تكتب بعد، دفعتني أيضا أفكار تلاحقني لتذكرني بأن شعباً ما في مكان ما على وشك أن يفنى.

سنّة الحياة أن تفنى الكائنات بشراً كانت أم نوعاً من الحيوانات بل ولغات ولهجات. البعض يفنى بالإبادة والبعض يفنى بالعجز عن التأقلم، والبعض يتآكل باليأس والخنوع حتى يفنى. أعرف أيضاً أن بعض، وربما أكثر، معلوماتنا عن الشعوب الأصلية وصل إلينا مشوهاً لأن شعوباً أخرى ابتدعته أو نقلته أو سجلته أو هي التي تحتكر الآن حق سرده.

قرأت منذ أيام في صحيفة “الجارديان” البريطانية أن حكومة الولايات المتحدة قررت الاعتراف رسمياً بحق شعب الشينيكوك Shinnicock في أن تكون له حكومة تدير شؤونه، وأن يحمل بمقتضى هذا الاعتراف رقم 565 في قائمة حكومات الهنود الحمر التي تعترف بها الحكومة الفيدرالية في واشنطن.

وأظن أن كثيرين خارج أمريكا وداخلها لا يعرفون أن قبائل عديدة تنتمي إلى أمة أو أخرى من أمم الهنود الحمر، بذلت جهوداً حثيثة ودفعت أموالاً طائلة لتحصل على هذا الاعتراف الذي يسمح لها، في مقدم ما يسمح، بأن تقيم كازينو للقمار على أراضي المستعمرة التي أجبرتها واشنطن على العيش فيها. يقال في تبرير ذلك إن كازينو القمار يدر دخلاً كبيراً ولا يحتاج تشغيله إلى مهارات خاصة وتعليم راق. ما لا يعرفه الكثيرون أيضاً هو أن الهنود الحمر ما زالوا في قاع سلم الفقراء في الولايات المتحدة باستثناء بعض شيوخ القبائل وأقربائهم الذين احتكروا إدارة كازينوهات القمار.

لا أتجنى أو أبالغ وأنا أعبر عن اعتقادي بأن الحكمة من تشجيع الهنود الحمر على إقامة كازينوهات القمار، هي نفسها الحكمة التي كانت وراء إغراق قرى الهنود الحمر ومضارب خيامهم بالخمور في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي نفسها التي جعلت الحكومة الإمبراطورية البريطانية تبيع الأفيون لشعب الصين في القرن التاسع عشر وتجبره على تعاطيه، وهي نفسها التي أقنعت السلطة الفلسطينية بأن يكون أول إنجاز تحققه بعد اتفاق أوسلو إقامة كازينو للقمار في أريحا.

تقول “الجارديان” إن أزمة اشتعلت مؤخراً عندما سافر فريق رياضي من الهنود الحمر إلى بريطانيا حاملاً جوازات سفر صادرة من إحدى الحكومات القبلية، وامتنعت السلطات البريطانية عن السماح بدخولهم بعدما أعلنت الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة لن تسمح بعودتهم إذا استخدموا جوازات لم تصدر عن طريقها. تقول الخارجية الأمريكية في قرارها الجديد إن من يرغب من الهنود الحمر في السفر إلى الخارج عليه أن يتقدم بطلب كتابي للحصول على جواز سفر مؤقت. بمعنى آخر، تطلب واشنطن من الهنود الحمر أن يسجلوا على أنفسهم كتابة موافقتهم على أن تعاملهم الولايات المتحدة كشعوب “راضية عن خضوعها للاستعمار” بل ومرحبة به.

والمعروف أن زعيماً من زعماء الهنود الحمر كان قد سافر إلى جنيف في عام 1923 ليعرض قضية شعبه على عصبة الأمم. وحصل بالفعل على موافقة بعض الدول على الاعتراف بجوازات تصدرها حكومات القبائل، واستمر العمل بهذا النظام إلى أن قررت هيلاري كلينتون تغيير ذلك. عندئذ لم يتردد المسؤولون في قبائل شينينكوك في الرد بقوة على الخارجية الأمريكية فأعلنوا من خلال الموقع الإلكتروني للقبيلة، بأن وجودهم سابق بعشرة آلاف سنة على وجود المستوطنين البيض، وأن لديهم ما يثبت أن حكومة ولاية نيويورك تتعامل معهم منذ 1792.

جاء الرد متناسباً مع ما ورد في وثيقة الخارجية الأمريكية عن أن القبائل التي تطلب حقوقاً للسفر والسيادة عليها “أن تقدم البراهين على نقاء أصولها العرقية والجينية”، والقرائن التي تثبت أنهم “من سلالة أمة هندية تاريخية”، وأنهم حافظوا على امتداد العصور على “وحدتهم واستقلالهم”، وأن حكومتهم تقوم على أسس لا تعترض عليها حكومة الولايات المتحدة، وأن تكون في حوزة القبيلة تقارير كتبها متخصصون سجلوا فيها أنهم تعرفوا إلى أفراد هذه القبيلة كهنود حمر عاشوا وأسلافهم على أرض أمريكا منذ عام 1900 على الأقل. فإذا استجابت القبيلة لهذه الطلبات ووفرت المستندات المطلوبة، سيكون من الممكن عندئذ النظر في منحها “حق السيادة”، وبعده حق إقامة كازينو للقمار والحصول على “إعانة” مادية من حكومة واشنطن.

ويبرر محللون الإعانة الإجبارية بأنها السبيل الأمثل لإخضاع حكومات القبائل للإدارة الفيدرالية في واشنطن، والدليل الأقوى على أن حق الشعوب الهندية في الوجود حق تمتلك حرية التصرف فيه الحكومة الفيدرالية وحدها.

عندما نتأمل في هذه الصورة على ضوء ما نعرفه عن نقاط ولسون الشهيرة وما نقرأه عن مناقشات الكونجرس الأمريكي حول تطبيقات الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر وغزة، وما نشهده يومياً عن ممارسات الدولة “الإسرائيلية” ضد الفلسطينيين ودعم أمريكا لكثير من سلوكياتها، ومنها حرمان الشعب الأصلي، وهو في هذه الحالة شعب فلسطين، من حق الوجود والسفر والسيادة، وما نسمعه أو نقرأه عن معونات وحوافز مادية سخية للسلطة الفلسطينية يتسابق على منحها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتعويد قادة الشعب الفلسطيني على استلامها وانتظارها، ولإقناع الشعب بفكرة أن الوجود الفلسطيني مرهون بإرادة دولة تزعم أنها وحدها لها سلطة منح الشعب الفلسطيني حق الوجود والسيادة.

عندما نتأمل هذه الوقائع أشعر بأن شعباً يعملون على تصفيته تمهيداً لإفنائه هو وغيره في أشد الحاجة إلى دعوة نتوجه بها إلى المجتمع الدولي، وبخاصة حكومات وشعوب أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا والمنظمات غير الحكومية، لعقد مؤتمرات دولية وحشد الرأي العام العالمي بهدف فتح باب التحقيق في قضايا شعوب اندثرت وشعوب على طريق الاندثار، وهي قضايا أغفلها المؤرخون والمفكرون رغم اهتمام هؤلاء بظاهرة اندثار بعض أنواع النبات وأنواع من الحيوانات وجزر مهددة بالغرق وأراض معرضة للتصحر.

يتجاهلون ونحن منهم أن سلالات بشرية صارت هي الأخرى نادرة وثقافات أبيدت، وأخرى تتعرض الآن للإبادة ولكن تفتقر جميعها إلى حظوظ النباتات والحيوانات والصخور المهددة بالفناء، فهذه تقام من أجل حمايتها المحميات الطبيعية وتعبأ لها موارد وتوضع لها تشريعات واتفاقات دولية.

بعض الشعوب في حاجة إلى محميات بشرية طبيعية تحمي ثقافتها وتحميها من الانقراض.