ورقة ضغط مرفوضة../ حسام كنفاني


انطلقت المفاوضات المباشرة كما كان متوقّعاً. جلسات وكلمات كثيرة، لعل أهمها الحديث عن اتفاق إطار خلال عام. اتفاق كان الرئيس الفلسطيني سبق أن أعلن رفضه بشكل مطلق، لكن فجأة ومن دون سابق تمهيد خرج جورج ميتشل ليعلن أن أبو مازن ونتنياهو وافقا على هذه الصيغة، ليبقى الاتفاق النهائي مفتوحاً على آجال غير معلومة.

وبغض النظر عن المفاوضات وتفاصيلها، كانت عملية الخليل وما تلاها في رام الله لافتاً جداً لجهة تحرّك المقاومة، وخصوصاً حركة “حماس”، في الضفة الغربية، رغم الحديث السابق للحركة الإسلامية عن الملاحقة المستمرة في الضفة التي تجعلها عاجزة عن إطلاق العمل المقاوم.

لكن اقتراب المفاوضات المباشرة كشف عن معطيات جديدة في الضفة الغربية، فالحركة الإسلامية لا تزال قادرة على الضرب والإيلام في المناطق المحتلة، ومع ذلك بقيت إلى غاية الآن صامتة ومنزوية رغم ما مرت به الحالة الفلسطينية من محن كانت تستأهل نقل المعركة إلى جبهة أخرى، على الأقل خلال العدوان “الإسرائيلي” على قطاع غزة في 2008-2009.

عملية المقاومة في الخليل رسالة متعددة الأوجه، من الممكن أن يستفيد منها الرئيس الفلسطيني في مفاوضاته وتسخيرها لخدمة أغراضه “السلمية”. فالرئيس الفلسطيني بإمكانه الإشارة إلى أن عملية الخليل وما تلاها ليس إلا عيّنة مصغرة عما سيكون عليه الوضع في الساحة الفلسطينية عموماً، والضفة الغربية خصوصاً، في حال وصول المفاوضات إلى طريق مسدود. فالجميع بات يعلم بأن التطورات في المنطقة قد لا تحتمل فرصاً تفاوضية أخرى، لا في عهد الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، ولا في عهد أي إدارة ستأتي في المستقبل القريب. فالفشل في هذه المرة قد يكون نهائيّاً.

لا بد للرئيس الفلسطيني أن ينقل هذه الرسالة إلى طاولة المفاوضات بدل تضييع الوقت في الإدانة التي لن تجدي نفعاً. للمرة الأولى قد تكون “حماس” خدمت، من حيث لا تعلم، أبو مازن في مساعيه التسووية، هذا في حال عرف الرئيس الفلسطيني كيف يستغل هجوم الخليل ويسخره لمصلحته. لا يمكن المراهنة كثيراً على هذا الأمر، لكن الآمال تبقى معقودة على قدرة المفاوض الفلسطيني على استثمار بعض أوراق القوة التي لا يزال يملكها لمصلحته في عملية المساومة الطويلة المفترضة.

عملية الخليل كانت رسالة من “حماس” بأنها لا تزال قادرة على العمل المقاوم، رغم انكفائها عن ذلك في قطاع غزة. رسالة يجب أن يشكرها عليها المفاوضون الفلسطينيون، إذ إنها أجبرتهم على حمل ورقة ضغط، هم لا يريدونها، وفرضتها على طاولة المفاوضات.
"الخليج"