كي لا يظلوا مجرد أرقام.. في صبرا وشاتيلا../ عماد جمال الدين

قد يبدو العرب والمسلـمون أفـضل من يتذكر أحــباءهم لــحظة موتهم وأحيانا يبدون أسوأهم. لكن يبـدو أننا على كثــرة المـجازر وحكايا الموت والشهداء والمذابح المفتعلة بنا، سواء بقرار من رئيس مجنون أو عدو مغتصب أو من ذوي القربى أو من «أمم متحدة» متفقة على قتلنا، وكأن الدنيا خلت إلا من العرب، وأصبح الموت الأميركي الصهيوني وأحيانا العربي، لازمة لنا نرضعه لأطفالــنا مـنذ الصغر، وله حكايا وطعم وأسباب لا تنتهي، وأصبحنا بالـتالي أمة لا نبالي بالموت ولا بالمجرمين، وقعوا علينا أم وقعنا عليــهم، غير عابئـين بمشاعر الثكالى وصور المفجوعين، نحمد الله على نعمته بأن نجانا من هذا المصير، وكما يقـول احـدهم «الله يرحمو ويبقـينا، منـيح اللي طلعت فيه مش فينا»، نهدي أرواح من سبقونا الفاتحة أو نصلب على صدورنا، مشفوعة بإضاءة شمعة، مع خطاب ناري «يستنكر» فعل العدو وقسوته وهمجيته ويتوعده بالثأر وعدم النسيان، لنختم بجملة واحدة يتفق ويتوحد العرب جميعاً عليها مشرقهم ومغربهم: الله يرحمهم، ونذهب كل في حال سبيله، فغداً يوم آخر، وإلى أن يتكرم ويمن علينا احدهم بمجزرة جديدة، نستعيد معها الذاكرة مرة أخرى، ونستذكر ذكرى من سبقونا، بزيارتهم في الأعياد، أو بذكرى سنوية تنتهي وتنقطع مع تقادم السنين، كونهم أصبحوا سلعة منتهية الصلاحية وأصبحوا عبئاً من الماضي ينغص العيش وحب الحياة ويثقل الجيب.

تمتلئ الذاكرة العربية بالمجازر، حتى انك لا تستطيع تذكرها كلها، وتكثر معها الأهوال وحكايا الإهمال والعجز وعدم الوفاء للذين سقطوا ورحلوا، وأحيانا للذين ما زالوا ينتظرون وما بدلوا تبديلا. أحقاً إننا امة بدون ذاكرة؟ أم أن ذاكرتنا مخصية وعاجزة؟

زيارة واحدة بعد ثمانية وعشرين عاما إلى «مثوى شهداء صبرا وشاتيلا» تكفي للدلالة على مدى احترامنا ووفائنا لتضحيات وعطاءات شعبنا، فالمثوى الذي يطلق عليه اسم المقبرة التي عادة ما تكون للغزاة وليس للشهداء، عبارة عن قطعة أرض رملية، كانت موضعاً لرمي النفايات وقد قامت بلدية الغبيري مشكورة بإقامة سور حولها ووضعت فوقها لوحة كتب عليها (مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا) ووضع في داخلها منبر يستعمل للخطابات فقط في شهر أيلول، وهو موعد ارتكاب المجزرة، لتصبح بعدها مقراً وممراً لمتعاطي المخدرات والمحتاجين لإراحة أبدانهم، وحائطاً لاستعراض ثياب الباعة الذين بعرباتهم وبضاعتهم يحجبونها عن الناظر والزائر من دون أن يحرك أحد ساكناً.

ثمانية وعشرون عاما مرت، على الجريمة المذبحة «صبرا وشاتيلا». لا مجرم يقدم إلى المحاكمة.. لا محكمة تحقيق. لا محكمة عدل دولية أو محلية. لا عقاب. لا ثأر. كيف حدث؟ لماذا حدث؟ لم يعد يهم.

فقتل أمة بحالها لا يعتبر جريمة حرب، ولا يهتز للعالم «الحر» أي جفن، ولا يحتاج إلى محكمة دولية، ولا حتى إلى الإدانة.

ثمانية وعشرون عاما.. لا ضريح.. لا أسماء.. لا مراسم دفن لائقة.. لا شواهد تبين هوية الراقدين تحت التراب.. أوليست مجزرة وجريمة أخرى ترتكب بحق أنفسنا وبحق الراقدين، في أن نقيم لهم ما يستحقون من مراسم الدفن اللائق.

لكن ماذا يقول «ملوكنا ورؤساؤنا وعظماؤنا» وأحزابنا، إذا علمنا أن عدونا الغاصب، الحامل لكل مفردات الإجرام والإرهاب، يحتفل كل عام بيوم تذكاري وطني تقفل فيه كل أماكن الترفيه والتسلية بذكرى ضحايا ما يسمى «بالمحرقة والبطولة»، وموضوع احتفاله في العام الفائت كان بعنوان الأطفال في المحرقة «لكل إنسان اسم» تتلى فيه أسماء الأطفال الذين ماتوا بصوت مرتفع.

في المشهد الآخر.. ماذا نقول لمن يرقص فرحاً مسروراً متأبطاً ذراع من يهتك الأعراض ودور العبادة في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان؟ ماذا نقول لمن يغدق القبلات على وزيرة الموت شاكراً وباكياً أن تفعل صواريخها الذكية فعلها بإزهاق أرواح الناس؟ ماذا نقول لمن فاقت «عبقريته» عبقرية أهرامات الفراعنة في بناء الجدران الفولاذية؟ ماذا نقول لرجل دين يرى في حصار وقتل شعب مسألة فيها وجهة نظر؟ ماذا نقول لنائب يريد الاستقالة من منصبه السياسي ليتفرغ لتخصيب الشاي والقهوة استعداداً لتحرير مزارع شبعا؟

نقول لهم جميعاً.. «للملك والأمير والرئيس والقائد»، لقممهم «العادية والاستثنائية، العالية منها والواطية، على مستوى أم بدون مستوى لا فرق»، لأوسمتهم ونياشينهم التي قلدوها لأنفسهم وقلدوها لجنرالاتهم وفاءً لخدمتهم وتضحياتهم في الحفاظ على سلطانهم ومصالحهم وفي مكافحة شعوبهم، لأحزاب اليسار واليمين والإسلامي منها، نقول، كفانا قرفاً ورياءً، وكفاكم قمماً وتنظيراً وتحليلاً في الأزمة. لقد خسرنا فلسطين، ثم خسرنا لبنان، وخسرنا العراق، وها هما اليمن والسودان على الطريق يسيران.

إننا نرفض أن يظل الإنسان العربي مباحاً ومستباحاً للقتل والاغتصاب والإهانة، ونرفض أن تصبح ذاكرتنا نسياً منسياً، وأن نكون مجرد أرقام لا قيمة لها.

لأصدقاء ستيفانو كاريني ولجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا» ولكل الشرفاء دعوة للعمل والمشاركة في سبيل تحويل «مثوى شهداء صبرا وشاتيلا» إلى معلم إنساني جدير بتضحيات الشهداء كمشروع جدارية شهداء صبرا وشاتيلا ـ كي لا يظلوا مجرد أرقام.
"السفير"