مرة أخرى حول انسحاب الجبهة الشعبية من "التنفيذية"../ هاني المصري

لقد أثارت المقالة السابقة "انسحاب الجبهة الشعبية من التنفيذية لا يحل المشكلة "بعض الاهتمام بين مؤيد و معارض .

الصديق والزميل زكريا محمد أيد ما ذهبت إليه المقالة، وكتب أن تحفظات هاني على فكرة الانسحاب من اللجنة التنفيذية سليمة، وافترض أن التكتيك الأسلم هو أن يقوم عضو الجبهة الشعبية في اللجنة التنفيذية مع الأعضاء الآخرين الذين يتفقون معه في الموقف بالبقاء في اللجنة التنفيذية، ثم فتح الحرب على مداها ضد من يريد أن يطوّع اللجنة وأن يجعلها أداة للسلطة، أو ضد من يلتف عليها ويذهب للتفاوض المباشر دون قرار منها.

إن ذهاب السلطة للمفاوضات من دون الحصول على قرار من اللجنة التنفيذية يؤكد وجود جزء لا بأس به من أعضائها لا يوافق على السياسة المتبعة. يجب أن يكون تكتيك الجبهة قائما على مواجهة مستمرة، وبلا توقف، ترفع راية منظمة التحرير، وتشكك بالعضويات التي تخرج عن ثوابتها وبرنامجها و قراراتها.

يجب القول: نحن اللجنة التنفيذية؛ لأننا نحن من يحافظ على الثوابت، ويجب شن حرب بلا هوادة ضد بعض الشخصيات في اللجنة التنفيذية، وهي قلة، والتي تحولت إلى جسر للسياسات الأمريكية، بل ولعلها خرجت من المشروع الوطني بكامله. فهذه الشخصيات يجب فضحها وإزاحتها من مواقعها المؤثرة في اللجنة التنفيذية.

كما أضاف زكريا: أنا مع هاني المصري في قوله إن فتح مهمشة وممنوعة من التعبير عن مواقفها الفعلية، وقد جرت العادة على أن يتم تهميشها عن طريق الأعضاء المذكورين في اللجنة التنفيذية.
المواجهة لحظة الخروج منها، وذلك عند اتخاذ قرارات سيئة، وكما يجب عند لحظة معينة العمل على فضح كل من يساهم في اتخاذ تلك القرارات، إذا كان ذلك ممكنا، والعمل أيضا على عدم إكمال النصاب، في حالة وجود نية لاستصدار قرارات سيئة، فهذا هو الطريق.

نحضر الاجتماعات إذا اقتضى الأمر، ثم نخرج بمؤتمر صحافي فورا، ونعلم الناس بما حصل، ونفضح من يمرر السياسة الأمريكية ضد مصلحة الشعب، وكما يجب أن يكون بعد كل اجتماع مؤتمر صحافي نعلم فيه الناس بمجريات الأمور، بحيث لا نترك للشخصيات الاستسلامية مجالا بأن تخبرنا بما حصل في الاجتماع كما يتم بالعادة
.
يجب أن يكون شعارنا: نحن منظمة التحرير، نحن اللجنة التنفيذية الحقيقية.
نحن نثمن حرص الجبهة الشعبية ونثمن مواقفها، لكن لا بد من السعي للتوصل إلى تكتيك أسلم في مواجهة من فشلوا وفشل مشروعهم، وهو يصرون على جرجرتنا في طريق مغلق.

وكان للبعض وجهات نظر اخرى، فقد كتب الزميل أمجد عرار في مقاله: "شيء مجد هذا الجدل العلمي الحقيقي والبعيد عن الترف والتضاد، ربما لا يكون انسحاب الجبهة الشعبية مفيدا، لكن بقاءها أيضا لا يفيد وأنا أتحدث عن التنفيذية وليس عن المنظمة".

أعتقد أن الأمر المهم في هذه المرحلة أكبر من أن تفعله الجبهة وحدها، إن نقطة البداية من هنا: هناك معسكر للتسوية بكل بؤسها، ويجب أن يكون مقابله معسكرا واضحا ضد التسوية وليس منتديات أو بقالات سياسية، أظن بأن الجبهة الشعبية مؤهلة لقيادة المعسكر الرافض، وهي دائما كانت كذلك، فإذا بقي أطراف هذا المعسكر متناثرين تحت دافع إما أن نقود أو نبقى فرادى، فسيقاد الجميع بقوة دفع أقوى منهم نحو أي هاوية يريدها لنا المشروع الأمريكي "الإسرائيلي" من ولاة ومنفذين.

كما يجب على المثقفين والكتاب أن يدفعوا باتجاه تأسيس هذا المعسكر وتفعيله شعبيا وإلا سنبقى في سياق الفعل الميداني ورد الفعل الكلامي.

إن ما كتبه زكريا وأمجد على تنوعه واختلافه يغني الحوار، فلا يملك أحد كلمة الفصل خصوصا في موضوع بالغ الأهمية و شديد التعقيد.

إن ما دفعني لتقديم النصيحة للرفاق بالجبهة الشعبية، إضافة لما كتبته في المقال السابق، وذلك لأن المنظمة لم تستسلم بعد، وهي تسير في طريق مصيره إذا صارت به إلى نهايته، فإنه يوصلنا للاستسلام.

إن السير في هذا الطريق بحد ذاته خطير جدا ومرفوض تماما، ولكن هناك فرق بين السير فيه والوصول إلى نهايته؛ لذلك لاحظنا بأن طريق التسوية والمفاوضات ليس مستقيما ولا في اتجاه واحد. فقد صارت المنظمة منذ مؤتمر مدريد في هذا الطريق، ومرت بمحطات عديدة منها محطات سيئة مثل: اتفاق أوسلو وملحقاته، وخارطة الطريق، ومؤتمر أنابوليس، وصولا إلى قمة واشنطن واستئناف المفاوضات وفقا للشروط الأمريكية والإسرائيلية.

ومنها محطات مجيدة مثل: رفض ياسر عرفات العرض الإسرائيلي في قمة كامب ديفيد، والاستعداد لدفع الثمن وتفجير الانتفاضة الثانية التي حاول فيها أبو عمار وفتح والمنظمة والشعب الفلسطيني عبر المقاومة والانتفاضة تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالمفاوضات.

إن فشل الانتفاضة والمقاومة في تحقيق الأهداف الفلسطينية والثمن الغالي الذي دفعه الشعب الفلسطيني، لا يقارن على الإطلاق بالفشل الذريع الذي حصده طريق المفاوضات، مع أن هذه المرحلة اعترف العالم كله بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل بأهمية قيام دولة فلسطينية، إن الثمن الأكبر الذي دفعه الشعب الفلسطيني جراء سير قيادته في طريق المفاوضات وما أدى إليه من ضياع وتنازلات وفصل القضايا عن بعضها البعض، وفصل الأرض عن الشعب والقضية، وتقسيم الشعب والوطن، وتحويل القضية إلى نزاع على الأرض والحدود، وقضية إنسانية، وقضية تمديد مسرحية التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان.

مع تقديري لرأي أمجد، فلا يمكن رفض التسوية من حيث المبدأ، بل يمكن ويجب رفض التسوية الجائرة الجاري فرضها على الفلسطينيين ضمن شروط تلبي أهداف ومصالح وإملاءات إسرائيل وتنتقص بشكل جوهري من الحقوق الفلسطينية.

إن رفض التسوية بالكامل يعزل الفلسطينيون ويجعل إسرائيل قادرة على فرض ما تريده عليهم، ويقطع الطريق على جمع أسلحة وأوراق هامة مثل: الشرعية الدولية، والدعم وتجنيد الرأي العام الدولي، ويقفز عن ضرورة التعامل مع الأمر الواقع من أجل تغييره. فالسياسة هي فن أفضل الممكنات، ولا يمكن تحقيق الأهداف مرة واحدة وفي وقت واحد!!