عن البنك الدولي وليس عن المفاوضات../ رنا بشارة

تزامنا مع انطلاق المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في بداية الشهر الجاري، كان البنك الدولي ينهي إعداد تقرير حول الوضع التنموي والاقتصادي في مناطق السلطة الفلسطينية ليقدم للمانحين في اجتماع مقرر انعقاده في نيويورك في 21 أيلول الحالي.

ورغم أن التقرير الذي أعلن عنه بعد بضعة أيام وحمل عنوان: "مرتكزات الدولة الفلسطينية المستقبلية: النمو المستدام والمؤسسات" قد أشاد بأداء السلطة وإنجازاتها، من حيث بناء وجاهزية المؤسسات الفلسطينية والإصلاحات الداخلية وتعزيز الاستقرار الأمني وتسارع وتيرة النمو الاقتصادي، إلا أنه أكد في الوقت ذاته على أن قدرة الدولة الفلسطينية على البقاء مستقبلا يقررها عاملان: أولا، قوة مؤسسات الدولة، وثانيا، مقدرتُها على استدامة نموها الاقتصادي، مع اعتبار العامل الثاني غائبا وموضع تكهن وتساؤل.

وقد عزا البنك الدولي العوائق التي تواجه استدامة النمو الاقتصادي إلى الحقائق التالية:

1. صعوبة الوصول إلى أغلبية أراضي ومياه المنطقة المصنفة (ج) وفق اتفاقيات أوسلو.

2. كون القدس الشرقية التي تعتبر سوقا مربحة بعيدة عن منال الفلسطينيين القاطنين في باقي أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.

3. صعوبة التنبؤ بالبيئة الاقتصادية الناجمة عن العوائق الإسرائيلية المفروضة أمام تنقل الفلسطينيين بين الأراضي الفلسطينية والمناطق داخل الخط الأخضر، الأمر الذي يحدّ من تشجيع أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار بمشاريع خاصة.

4. اعتبار الإسرائيليين للكثير من المواد الخام البالغة الأهمية للقطاعات الإنتاجية "ثنائية الاستعمال"، أي أن استخدامها لا يقتصر على الأغراض المدنية بل والعسكرية أيضا، مما يجعل استيرادها أكثر تعقيدا ويعيق الإنتاج ويزيد التكاليف.

5. استمرار كون المحرك الرئيسَي للنمو الاقتصادي الفلسطيني المعونات الخارجية التي تقدمها الجهات المانحة للسلطة الفلسطينية. وإن كان التقرير قد أشار إلى نمو اقتصادي ملحوظ في المناطق الفلسطينية خلال النصف الأول من عام 2010"، إلا أنه قد حذر من أن عدم اتخاذ إجراءات في المستقبل القريب للتّصدّي للعقبات "المتبقية" في وجه تنمية القطاع الخاص وتحقيق النمو المستدام من شأنه أن يبقي "السلطة" الفلسطينية تحت رحمة أموال المانحين، ولن تكون مؤسساتها، أي مؤسسات السلطة مهما بلغت قوتها قادرةً على دعم وجود دولة قابلة للحياة".

6. سوء الوضع الاقتصادي في قطاع غزة الذي وصفه التقرير بـ"المحتضر"، "رغم التّخفيف الجزئي الأخير للحصار المفروض على القطاع"، على ذمة البنك الدولي... هذا "التخفيف" الذي يعتبر تقييم حجم تأثيره مبكرا وإن وجد حقا فسيكون محدوداً.

7. النقص في التمويل المتوقع تقديمه من المانحين للسلطة الفلسطينية والذي يتراوح ما بين 300-400 مليون دولار مع حلول نهاية العام، بالرغم من "تحسّن أداء المالية العامة للسلطة الفلسطينية، وضبط الإنفاق ضمن سقف الموازنة". وفي هذا السياق أعلن البنك الدولي عن موافقة مجلس إدارته على تقديم منحة إضافية بقيمة 40 مليون دولار لمساندة السلطة الفلسطينية.

من الصعب سرد تلك العوائق الجدية التي تطرق إليها البنك الدولي في تقريره والتي لا تبشر بكثير من الخير بمعزل عن كيفية تعاطي بعض وسائل الإعلام مع الخبر، حيث اختار العديد منها تلقف شهادة البنك الدولي على تطور أداء السلطة الفلسطينية وتقييمه الإيجابي لقدرة الفلسطينيين على إقامة "دولة" عنوانا إخباريا رئيسيا على حساب أهمية مضمون التقرير بالمجمل.

وحتى لا يتهم أحد ظلما ولأغراض المصداقية والموضوعية، نقول إن التعاطي مع الخبر على هذا النحو قد تكون دوافعه التفاؤل بالخير والبحث عن بصيص أمل، أو أنه ناجم عن عدم إلمام كاف بالحقائق، ولغياب الرغبة ببذل المزيد من الجهد في قراءة حقيقة الواقع.

وقد يكون البعض اختار أن ينقل الخبر بشكل متناغم مع روح ردود الأفعال الصادرة عن القيادة الفلسطينية التي رحبت بدورها بالتقرير واعتبرته - على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني في لقاء مع صحيفة الحياة اللندنية (19/9/2010)- "شهادة مهنية من جهة صاحبة اختصاص وقوة سياسية لجدارة الفلسطينيين بدولة مستقلة".

وإن كنا لا نختلف مع السلطة الفلسطينية والبنك الدولي- هنا على الأقل- على أحقية الفلسطينيين باستعادة أراضيهم المسلوبة وعلى ثقة تامة بمقدرتنا على إقامة "دولة"، إلا أن تلك "الشهادة" كان لها أن تكون موضع تقدير حقيقي ومدعاة للبهجة والتفاؤل لو استمدت من اعتراف البنك الدولي بعدالة القضية الفلسطينية ومن إيمانه الفعلي بحقوق الفلسطينيين كما جاءت في قرارات الشرعية الدولية، وليس من باب الثناء على نجاحات السلطة الفلسطينية على صعيد إنجاز صفقات اقتصادية يموّلها المانحون ومهددة بالانهيار في أي وقت باعتراف البنك الدولي نفسه.

لقد اغفل كثيرون والبعض منهم لأسباب سياسية الأمر الأساسي، وهو أن النمو في حالة التقرير هو مفهوم سياسي. وهو مرتبط بأموال المانحين، يزداد وينقص إذا ازدادت ونقصت. ولا علاقة للأخيرة بالنمو الاقتصادي الفعلي، بل تؤسس لاقتصاد خدمات ولرواتب في السلطة ترفع نسب النمو مع زيادة الاستهلاك. فعن أي نمو يتحدث البنك الدولي؟ إنه نمو ارتباط الاقتصاد بالسياسة، وارتباط السياسة بالأمن. وليس الأمن الفلسطيني أو العربي، بل الأمن الإسرائيلي.

كان حريا بنا أن نسأل البنك الدولي عن حقيقة تصوره للدولة التي تحدث عنها في تقريره في ظل العوائق المذكورة... تلك الدولة التي اعتبر الفلسطينيين جديرين بإقامتها بعد مرور أكثر من ستين عاما على نكبتهم وتشريدهم؟! أهي تلك الدولة التي ستقام على سائر أنحاء الأراضي التي احتلت عام 67 وبإزالة كافة المستوطنات وجدار الضم الاستيطاني المقام في عمق مناطق السلطة الفلسطينية؟! أهي الدولة التي ستكون عاصمتها القدس التي يقف البنك الدولي والجهات المانحة عاجزين عن رفع حتى الحصار الاقتصادي الإسرائيلي عنها؟!

لن تفاجئنا ادعاءات ومبررات البنك الدولي بكون إعلان المواقف السياسية خارج نطاق صلاحياته الاقتصادية والتمويلية والتنموية، رغم نبرة التوازن التي يستخدمها في بياناته وتقاريره ومواقفه عندما يتعلق الموضوع بالفلسطينيين والإسرائيليين.

سنبذل جهدا لتفهم القيود التي تفرضها عليه رسالته المتمثلة في مكافحة الفقر والبطالة المتزايدين يوما بعد يوم في العالم، وخاصة في دول العالم الثالث والوطن العربي.

ولنا أن نتأمل ولو قليلا برؤيته نحو إقامة عولمة مستدامة تشمل الجميع ومهامه المتمثلة في تقديم الدعم المالي والفني للدول النامية، وما تحمل تلك الرؤية من خفايا في ظل ازدياد أوضاع تلك البلدان تخلفا ومأساوية عاما بعد عام.

فما ثبت حتى الآن هو أن رؤية البنك الدولي للتنمية سببت كوارث في العديد من دول العالم الثالث التي دمرت اقتصادها في خصخصة تحولت إلى سرقة منظمة وفي عملية تسديد الديون. أما في فلسطين فرؤية البنك الدولي للتنمية والنمو هي سياسية. فالنمو وهمي، وهو ناجم عن أموال المانحين وليس عن نمو حقيقي في الاقتصاد الوطني. وأموال المانحين تتدفق طالما قامت السلطة بمهامها الأمنية.

وأخيرا، لنتساءل، من باب التحريض الفكري وليس لسبب قلة المعرفة أو الجهل بالحقائق، عن الجهات التي تقف على رأس رسم سياسات البنك الدولي هناك في واشنطن، مقر البيت الأبيض، وآليات صنع القرار داخل تلك المؤسسة التي يستند فيها التصويت إلى قاعدة دولار واحد يعادل صوت واحد، أي أن ثقل القرار السياسي للبلد العضو في تلك المؤسسة يكون بقدر الثقل المالي لذلك البلد! أليس في ذلك تغلغل عميق في جوهر وقلب ولب وعقر دار السياسة؟! أليس البنك الدولي مؤسسة سياسية صاحبة رؤية أيديولوجية في النهاية؟!