قادة إسرائيل معنيون بتسوية، ولكن../ علي جرادات

في إطار جدل حول ما إذا كان المقررون من قادة إسرائيل، على اختلاف مشاربهم الحزبية، في وارد التوصل إلى تسوية سياسية للصراع مع الفلسطينيين تحديداً، سرى عميقا في الوعي السياسي العربي والفلسطيني استخلاص يقول: إن قادة إسرائيل عموماً ليسوا في هذا الوارد. وهذا استخلاص تجريدي عام صحيح، ولكن معناه الواقعي الملموس بحاجة إلى تدقيق. فقادة إسرائيل، بما في ذلك أكثرهم تطرفا وعنصرية وعنجهية (ليبرمان)، يريدون تسوية سياسية، بل ومعنيون بإحرازها، إنما بشروطهم، وخاصة فيما يتعلق بجوهر القضية الفلسطينية. وبالتأكيد أنهم يسعون بتمايز، ووفقا لشروط ميزان القوى في كل مرحلة، إلى تحصيل أكبر قدر من المكاسب حتى في ما هو "انتقالي"، أي في ما هو دون القضايا الجوهرية، أو ما سُمِّي بـ"قضايا الوضع النهائي" في اتفاق أوسلو، أي حق العودة، القدس، الحدود، المستوطنات والمياه.

دافعي لإثارة التدقيق أعلاه ينبع من قناعتي بضرورة التنبيه إلى الاستنتاجات السياسية الخاطئة التي ينطوي عليها استخلاص: إن مقرري السياسة الإسرائيلية غير معنيين بالتسوية السياسية ونقطة. ويمكن حصر الجوهري من هذه الاستنتاجات الخاطئة في:

1: القول إن القادة الإسرائيليين غير معنيين بالتسوية ونقطة، ينطوي على استنتاج سياسي خاطئ أول، يظن بأن القيادة الإسرائيلية باتت على يقين أن مشروعهم الإقتلاعي الإبتلاعي، وبكل ما في صالحهم من ميزان قوى راجح بالمعنى الشامل للكلمة، قد ترسخ إلى غير رجعة، أي أنهم لم يعودوا يشعرون بأية مخاطر على جوهر مشروعهم، المتمثل في تكريس دولة إسرائيل كـ"دولة لليهود". وهذا غير صحيح. فلو كان الأمر كذلك، لما كان حتى أكثرهم عنجهية وتطرفاً (ليبرمان)، مسكوناً بكل معاني القلق والرعب من القوة الموضوعية للعامل الديموغرافي الفلسطيني، وخاصة لفلسطينيي ما وراء الخط الأخضر، ناهيك عن عدم قدرة الإسرائيليين لا بالأمس، ولا اليوم، ولا غدا، على دفن حق اللاجئين في العودة، ما داموا، وهم أكثر من نصف الشعب العربي الفلسطيني، مجرد أحياء يتنفسون.

بهذا المعنى فإن أطروحة ليبرمان حول التبادل الجغرافي والسكاني، المتبناة، بمعزل عن أشكال التعبير من نتنياهو ومن هو دونهما في التطرف، لا تعكس فقط عنجهية جنون قوة يغذيها رجحان راهن ميزان القوى وعجز راهن النظام الرسمي العربي، بل تعكس أيضا ما يشعر به القادة الإسرائيليين المقررين حالياً من مخاطر على جوهر مشروعهم كما حلم به الآباء المؤسسون لدولة إسرائيل.

وعليه، يغدو قلق القادة الحاليين لإسرائيل ورعبهم من العامل الديموغرافي الفلسطيني في الوطن والشتات، حتى ولو تجلى بصورة تطرف عنجهي، تعبيراً عن الأزمة البنيوية التي انطوى عليها الطموح اللا واقعي واللا منطقي، للمشروع الصهيوني، الأزمة التي لم يقوَ على تجاوزها القادة المنفذون للمشروع، من بن غوريون حتى اليوم، رغم كثرة ما شنوه من حروب، ورغم فظاعة ما ارتكبوه من عمليات اقتلاع وابتلاع مخططة ومدروسة، على مدار قرابة قرن من الزمان، ومع كل ما رافق ذلك من عمليات تضليل وتزييف للوقائع التاريخية، كثفتها مقولتي: "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، و"أين هو الشعب الفلسطيني؟؟!!" و...الخ من مقولات التضليل المبرمج. وبالتالي، فإن قادة إسرائيل، يعون مخاطر العامل الديموغرافي الفلسطيني على جوهر مشروعهم، ما يجعلهم أكثر من معنيين بالتوصل لتسوية سياسية للصراع، إنما بشروطهم النابعة من طموحهم لتكريس جوهر مشروعهم، أو على الأقل لتحقيق أكبر قدر من هذا الجوهر الذي في حال تحققه بتسوية سياسية بشروطهم سيلغي، وفي أقله سيدحر إلى مدى زمني غير محدد، جوهر القضية الفلسطينية، حق العودة للاجئين الفلسطينيين، باعتباره سؤال الإسرائيليين الواقعي الجارح والمفتوح، شاءوا ذلك أم أبوا.

2: القول بأن القادة الإسرائيليين غير معنيين بالتسوية السياسية ونقطة، ينطوي على إستنا سياسي خاطئ ثان، يظن أن القيادة الإسرائيلية على يقين من أن عوامل قوتهم بالمعنى الشامل للكلمة، هي في منعة دائمة. وبالتالي مطلقة وبدون حدود، بما يجعلهم غير آبهين لأسئلة أية تحولات واقعية ونسبية في ميزان القوى. وهذا غير صحيح، وهم (بالمناسبة) أكثر معرفة بحدود قوتهم ونقاط ضعفها بالمعنيين الإستراتيجي والتكتيكي، ما يعصمهم عن "أسطرة قوتهم"، رغم وقوعهم في شيء من هذا القبيل، وخاصة بعد هزيمتهم الساحقة للنظام الرسمي العربي في حرب حزيران عام 1967، وما ترتب عليها من "أسطرة" لقوتهم لدى طرفي الصراع. ولكنهم سرعان ما عادوا، وبدقة أكبر عادت غالبيتهم إلى رشدها، وكان لمفاجأة حرب عام 1973 دوراً أساسياً في إعادتهم للتفكير الواقعي غير الأسطوري في حدود قوتهم، وإلا ما معنى إقدام رمز عقائديتهم وتطرفهم (مناحم بيغن) على عقد اتفاقية سلام مع مصر بعد ست سنوات على هذه الحرب؟؟!! وأفضى لذات الأثر اتضاح حدود قوتهم بعد صمود المقاومة الفلسطينية عام 1982، وانفجار الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، فضلا عن الانتفاضة الثانية 2000، وأخيرا فشلهم الذريع، حتى لا نقول هزيمتهم، (بإقرارهم الرسمي السياسي والعسكري) في حربهم على لبنان في تموز 2006. وعليه، فإن قادة إسرائيل الذين كشفت لهم تجربتهم حدود قوتهم الواقعية، ناهيك عن يقينهم بأن لا ثبات في ميزان القوى إلا بالمعنى النسبي القابل للتحول والتغير، معنيون بالتوصل إلى تسوية سياسية للصراع، لكن، ومرة أخرى، بشروطهم التي تحقق جوهر مشروعهم، أو أكبر قدر منه.

3: القول بأن القادة الإسرائيليين غير معنيين بالتسوية السياسية ونقطة، ينطوي على استنتاج سياسي خاطئ ثالث، يتمثل في الإستهانة بالمخاطر المترتبة على التفاوض مع القادة الإسرائيليين، بمعزل عن شروط التفاوض رعاية ومرجعيات وأسس وجدول أعمال، كما حصل منذ مؤتمر مدريد 1991، وخاصة فيما بدأ مؤخرا من مفاوضات مباشرة مع حكومة نتنياهو ليبرمان. وهذا لا يعني الأطراف العربية والفلسطينية القابلة بالتفاوض على هذا الأساس فقط، بل يعني أيضا تلك الأطراف العربية والفلسطينية المتحفظة والرافضة لهذه الصيغة من المفاوضات، ذلك أن الإخلاد لتجريد وتعميم استخلاص أن الإسرائيليين ليسوا في وارد التوصل إلى تسوية سياسية للصراع ونقطة، سيفضي إلى استخلاص:

ما دام قادة إسرائيل في غير وارد التوصل إلى تسوية، يغدو منطقياً القول: إذاً ما الخلل وما هي المخاطر الجوهرية في إتباع سياسة تقطيع الوقت بالتفاوض؟؟ وفي هذا تناسياً لما يمكن أن يفضي إليه ذلك من تغييبٍ لبناء البدائل، ناهيك عن ما يفضي إليه من تآكل في الموقف العربي والفلسطيني، بالنظر إلى أن القادة الإسرائيليين معنيون بالتوصل إلى تسوية سياسية، وليسوا غير معنيين، إنما بشروطهم. وبالتالي، فإنهم يبنون في كل محطة على ما انتزعوه في محطة سابقة، أي أنهم يعملون بشكل منهجي تراكمي لتثبيت جوهر مشروعهم النافي لجوهر القضية الفلسطينية، اللهم إلا إذا ظن أحد أن قادة إسرائيل يعتقدون بإمكانية تحقيق شروط مشروعهم وجوهره دفعة واحدة. وللتدليل، فإن نتنياهو، ورغم يقينه بأنه لا يوجد فلسطيني يقبل بمطلب الاعتراف بـ"إسرائيل دولة للشعب اليهودي"، فإنه لم يتردد في طرحه، أما لماذا؟؟ لأنه يريد تثبيت هذا المطلب في جدول أعمال المفاوضات، أي جعله على الأقل قابلاً للنقاش والتفاوض. وهذا ما يمكن أن يبنى عليه لاحقا، سواء على صعيد جبهة المفاوضات مع الفلسطينيين، أو على صعيد جبهة الساحة الدولية.