حماية المنجزات وفاء للشهداء../ عوض عبد الفتاح

حماية المنجزات وفاء للشهداء../ عوض عبد الفتاح

اكتمل عقد كامل على انتفاضة عرب الداخل والتي اصطلحنا على تسميتها بالهبّة الشعبية تمييزًا لها عن الانتفاضة الشعبية الطويلة، مع أنها أطول فترة احتجاج سياسي في تاريخ هذا الجزء من شعبنا. لقد كان هذا العقد زاخرًا بالأحداث الكبيرة، وتدعايات ذلك الحدث الكبير لم تتوقف وعمقتها أحداث أخرى لاحقة، أهمها حرب لبنان 2006.

فقد فوجئ العالم في أواخر أيلول/سبتمبر عام 2000 بحدثين هامين في فلسطين أسقطا وهمًا كبيرًا، وكشفا حقيقة هامة تتعلق بالصراع الطويل بين الشعب الفلسطيني كجزء من الأمة العربية، وبين الدولة الاسرائيلية.

كان العالم يعتقد، أن قضية فلسطين جرى حلها من خلال اتفاقية أوسلو، وأنه لم يبق لتسوية الصراع نهائيًا سوى خطوات صغيرة. وإذا بالعالم يكتشف أن التسوية أصبحت أبعد مما تخيله الكثيرون. وأن ما كان يُروّج بقصد وبغير قصد حول قرب الحلّ، ليس سوى محاولة للتضليل والتعمية على المشروع الاستيطاني المتواصل المخطط أصلاً لإجهاض هذه التسوية.

بطبيعة الحال ليس الطرف الفلسطيني بريئًا من هذا، بل يتحمل مسؤولية قبوله اتفاقية تقايض الاعتراف بإسرائيل بالاعتراف بقيادته. ولذلك فإن أوساطـًا واسعة في العالم لم تستوعب دوافع الانتفاضة، ومضى وقت طويل قبل أن يستعيد الشعب الفلسطيني وانتفاضته بعضًا من التعاطف العالمي.

أما الحقيقة الهامّة التي اكتشفها العالم هو وجود جزء من الشعب الفلسطيني كان قد غُيّب كليًا من دائرة الاهتمام من جانب معظم اللاعبين في قضية الشرق الأوسط. فقط جاءت الهبّة الشعبية التي اعتبرتها الدولة العبرية امتدادًا للانتفاضة الفلسطينية في الضفة والقطاع لتقول لاسرائيل وللعالم انتهت فترة التغييب وأن لا حلّ عادلاً بدونهم، أو بدون مصالحة تاريخية تحترم حقوقهم القومية والمدنية باعتبارهم أصحاب المكان الأصليين.

لقد ساهمت السياسة الاسرائيلية بصورة رئيسية في تفجير الغضب الشعبي لعرب الداخل؛ تاريخ طويل من النهب والسّلب للأرض وللممتلكات ومن الحصار والقمع المادي والمعنوي. هذا إضافة إلى ملاحقة وقتل أبناء شعبهم في الداخل والشتات. وقد لعبت المستجدات على الساحة الفلسطينية والعربية (المقاومة) دور العنصر المحفّز للنهوض الشعبي والوعي الوطني المتجدّد داخل الخط الأخضر.

وتميّز العقد الأخير بناحيتين؛ إقدام الدولة العبرية على إعادة حساباتها مع الأقلية الفلسطينية، عبر العودة إلى أساليب السيطرة القديمة وتشغيل المخابرات بكثافة، واللجوء الى سن القوانين العنصرية السافرة بدل أو إضافة إلى تلك المضمرة – إذ أصبحت هذه الأقلية في عداد التحديات الاسراتيجية والتي يجب التحصّن منها.

أما الناحية الأخرى – وهي تتعلق بالردّ العربي وهو ينقسم إلى قسمين؛ القسم الأول هو ذلك الطرف أو الأوساط العربية المرتبطة إما بعلاقة المصلحة المباشرة مع الدولة العبرية ومؤسساتها، وإما ببرنامج سياسي قام على التعاقد مع الدولة منذ قيامها – ويقف في صلب هذا التعاقد المساواة والقبول باسرائيل كحق تقرير المصير ليهود العالم.

وقد اجتهد أصحاب هذا الإتجاه منذ الأيام الأولى بعد خمود الهبّة للنأي بأنفسهم عن المسؤولية عن الحراك الثوري الذي تجلى في الهبّة؛ دوافعها وطبيعتها وشموليتها. ونأوا بأنفسهم عن القوى التي اتهمت من قبل المخابرات الاسرائيلية وعبر بيان رسمي وهي التجمع والحركة الإسلامية (الشمالية)، بتأجيج الغضب والتطرف في الشارع العربي.

أما القسم الثاني، وهو التيار الوطني بشقيه القومي والإسلامي، والذي، وإن بتفاوت، تشبث بمواقفه واتجاهه السياسي – الوطني. ونتيجة لذلك اشتد العداء لهذا التيار عبر التحريض والمحاكمات والملاحقات والنفي (عزمي بشارة) والاعتقال (الشيخ رائد صلاح).

وبعد أن اكتشفت المؤسسة الإسرائيلية أن التيار الأول (الاتجاه التقليدي) والذي يمثل شريحة ليست بقليلة من المجتمع العربي المقتنع بالحفاظ على وتيرة منخفضة مع الدولة العبرية غير قادر على الوقوف كليًا في وجه التيار الوطني الجذري، ونظرًا لرفض الدولة وعدم استعدادها عقد مصالحه تاريخية مع مواطنيها العرب، ناهيك عن مصالحة تاريخية مع شعبهم، انحدرت الى النظر والتعامل معهم كخطر استراتيجي يجب معالجته إما بالطرد أو بالضمّ إلى الدولة الفلسطينية الوهمية، أو بفرض الولاء السياسي عليهم بديلاً عن انتمائهم العربي والفلسطيني.

لم تتحقق حماية منجزات الهبّة الشعبية المعنوية والثقافية لولا أن هناك من تولّى قيادة ذلك، وتحمل التهديدات والضغوطات والحصار والتحريض.

مع ذلك نحن ندرك أن هذه المنجزات المعنوية الهامة يمكن أن تتبدّد إذا لم نقم بترجمتها إلى خطط وبرامج، ومؤسسات وبناء بصورة منهجية، وهذه مهمة كل القوى السياسية، ومهمة التيار الوطني-القومي بشكل خاصّ. ومنذ فترة طويلة تقف أمامنا تحديات غير مسبوقة: التهديد بالترانسفير وبتكريس دونية المواطنين العرب وتكريس تهميشهم – مما يعني إفقار وتفكيك المجتمع العربي الذي نرى بعض مظاهره المأساوية في انتشار العنف والاقتتال العائلي والطائفي، وخواء أوساط واسعة من الأجيال الشابة.

إن الهبّة الشعبية محطّة وطنية وقومية تاريخية وبطولية في تاريخ الفلسطينيين في الداخل وفي تاريخ الشعب الفلسطيني، والوفاء لها وللشهداء الأبطال الذين رووا الأرض بدمائهم وضحوا بأرواحهم، يقتضي ليس فقط تذكر هؤلاء الشهداء بالطرق المناسبة، بل بتحويل الهبة الشعبية ومعانيها إلى مادة نبني منها مستقبلاً أفضل لأبناء وبنات شعبنا.

إن ملاحقة القتلة ومن يقف وراءهم هي جزء من حماية منجزات الهبّة لما يمثله ذلك من قيمة أخلاقية عالية.