لبننة وتطييف الواقع الفلسطيني../ ظافر الخطيب

لم يكن المجتمع الفلسطيني في لبنان بعيداً عن المؤثرات والرياح القادمة من المحيط، بدءًا من المحيط القريب المباشر لبنان وانتهاء بالمحيط العربي، وفي كلّ الأحوال كان هناك مؤثرات سلبية تحقق سكينة متأملة، ومن ثم تراجعاً نحو إحباط فتشاؤم، وأخرى إيجابية تحقق اندفاعات أغلبها عاطفية المنشأ، وهي مؤثرات لطالما ظلت تفعل فعلها وتفل حديدها حتى اللحظة الراهنة.
 
ومثلما كان الواقع الفلسطيني يتلقف النظريات والتجارب الثورية ويتفاعل معها، على نحو يضاهيها في الاندفاع، كما في حالتيّ التجربتين القومية واليسارية، فإنه أيضاً كان يتفاعل مع الأفكار والمخططات والمشاريع ذات الرائحة الكريهة، وهي كذلك أي الأفكار والمشاريع والمخططات هادئة بطبيعتها، وذات مدى استراتيجي، يمكن للراصد أن يتلقف نتائجه الميدانية المحققة، وهي ليست مجرد نتائج، بل هي نتائج متحركة نشطة فاعلة ومتفاعلة تتحول بدورها إلى تيارات سائدة.
كان المجتمع الفلسطيني في لبنان يحتضن التيارات الفكرية والثورية من منطلق واضح، الرغبة في معالجة الأوضاع التي لجأ إليها، أوضاع الهجرة في بلاد المنفى القريب والبعيد، وكانت هذه المعالجة واضحة وضوح الشمس ولا تقبل القسمة على مفاعيل أخرى غير الانتصار وتحرير الوطن والعودة.
 لذلك كانت تتحقق حالة من التعبئة الشاملة، تغزو كل بيت وكل فرد، و تقف النصوص النوستالجية بشكلها المكتوب، أو المحكي على ألسنة المعايشين لهذه الأيام على ما كانت تحققه تلك الأوضاع من وحدةٍ وتماسك اجتماعي ومجتمعي رغم الاختلاف السائر على سنة القانون الطبيعي.
العاطفة الجامحة الذاهبة مذهب التطرف في معاجلة قضية فلسطين انتصاراً وتحريراً وعودةً، لم يُعمل على ترسيبها، وهو ما صير إلى استنفاذها حين انتهت صلاحيتها مع انتهاء موجباتها، مقابل ذلك كان هناك الآليات والأفكار والمشاريع الأخرى الضاربة منحى متعاكس كليةَ مع الأولى، هزيمة أو شبه تعويض عن انتصار، إنجاز مادي رخيص لا يسمن ولا يغني من جوع.
التوطين والدمج والهجرة، ألإبعاد والنفي، التفتيت من الداخل، خلق مجتمع رعوي، التجهيل والتعمية، كلها نتائج لعمليات استراتيجية رأت منذ البداية ما يشكله هذا الوجود الفلسطيني من خطر آني واستراتيجي، ينبغي أن تُحرّف ماهيته بآليات هادئة ومُقنّعة أو نتيجة لضغط السياسات التي تتوجه للفلسطيني كاستثناء، لخلق بيئة وظيفتها إرهاق الفلسطيني وتفريغه من كل مكوناته المشكلة لحالته الكفاحية.
كانت التيارات الثورية والمخزون العاطفي الفلسطيني والمخيم الفلسطيني تشكل حائط السدّ الأول، في الدفاع عن الموجود الفلسطيني، لذلك ظل الخوف عليه محدوداً، غير أن الصرف من رصيد التيارات الثورية والتضحيات الكبيرة والمخزون العاطفي والمخيم الفلسطيني استنفذ أو قارب على النفاذ.
ترك مذهب الانكفاء والهزيمة في الحالة الثورية الفلسطينية وصولاً إلى أوسلو إحساساً متعاظماً لدى الإنسان الفلسطيني، بانعدام الحماية والمرجعية، شعورا بالعزلة والحصار، بمعنى أدق ضربت أوسلو عميقاً في الأنا الجمعية الفلسطينية، وهو ما سمح للفرد بالتفتيش عن حلول وبدائل أخرى حتى وإن كانت متناقضة مع الثقافة الفلسطينية الناشئة عن حالة المقاومة، أو غير متصالحة مع التاريخ الفلسطيني المستند إلى الفخر بالصمود الأسطوري.
هذا الواقع الجديد، خلق بيئة مناسبة لعمل الأفكار والآليات المعادية، لا بل إنها صارت أسرع، بعد أن كانت تتحرك ببطء شديد، وعليه كان هناك انكفاء في الحالة الإيجابية الفلسطينية، وعليه أيضاً، بدأت تتحقق نتائج وماهيات أخرى، الهجرة، انعدام الرغبة بالتعلم، البطالة عن العمل، الكسل، التراخي، الهرب إلى الأمام، التعصب الأعمى، الإستزلام، فقدان الحماس، الانكفاء عن العمل السياسي وغيره.
ساهم في ذلك النظر للوجود الفلسطيني وتالياً للمخيم الفلسطيني من منظار أمني صرف، وصعوبة اختراق الواقع اللبناني بشقيه الرّسمي والشعبي، وصولاً إلى تجربة نكبة نهر البارد التي عزّزت انعدام الثقة ودفعت باتجاه تبلور عقلية الاستهداف الدائم للمخيم، واحتمال تكرار تجربة نهر البارد.
وتعزف ماكينات الدعاية على فوبيا التوطين، وتبنى على ذلك مقولات المؤامرة الواردة أو المسقطة من القوى العظمى وعلى رأسها أمريكا، في حين تلحّ "قيادات" الفصائل السياسية على منطق رفض التوطين والتمسك بحق العودة، كليهما منطق أعمى سطحي ولا يقوم على قراءات حقيقية للواقع الفلسطيني وبالتالي فإنها (أصحاب ماكينات الدعاية والقيادات) مجرد عوامل ثانوية مساعدة على خلق واقع التوطين والتهجير.
باختصار، التوطين قائم بآليات غير مباشرة، كما التهجير قائم وبآليات مباشرة عبر تسهيل هجرة الفلسطيني وعدم التصدي لسماسرة تصدير الفلسطيني وتهريبه عبر الحدود، مئات الشباب يهاجرون سنوياً ولو جرى استطلاع رأي حقيقي لتبين أن من بين 3 شبان فلسطينيين هناك 3 شبان راغبين بالهجرة.
إنّ التعامل السطحي مع الواقع الفلسطيني يمنع من قراءة التفاعل الفلسطيني مع الأوضاع في لبنان، التفاعل الذي يتحول نحو واقع جديد يذهب مذهب التحول نحو شيء جديد كليةً عن فكر وثقافة وسلوك الإنسان الفلسطيني (اللبننة، التطيف، التمذهب).

 هذا التفاعل بمعنى اللبننة يمكن رصده في النص الفلسطيني الشفوي، حيث يتحوّل الموضوع اللبناني إلى مادة نقاش أساسية ودائمة، في حين أن الموضوع الفلسطيني والهمّ الفلسطيني يغيبان بشكل شبه كليّ، نحن هنا أمام انعدام التوازن بين حضور الهوية الفلسطينية ببعدها الكفاحي والثقافي وبين الحضور الطاغي للمسألة اللبنانية.
ولا يتوقف الأمر على لبننة الفكر السياسي واليومي الفلسطيني من خلال واقع الاهتمام اليومي كانعكاس للوعي المتشكّل، بل يذهب الأمر إلى أكثر من ذلك، من خلال الدخول على وتر الحساسيات اللبنانية، ليس من زاوية التفسير أو التحليل بشكل موضوعي ومحايد، بل من زاوية تبلور قناعات معينة تسمع بخلق انتماءات أو التماهي مع هذه الحساسيات والحماس لها.
فالفلسطيني الذاهب مذهب التشاؤم يبحث عن حماية، أو عن إحساس بالأمن، وهو لا يثق بالأطر السياسية الفلسطينية غير الملتفتة لهمومه، لذلك فإن ما يقدر عليه هو الهروب إلى الأمام عبر الانتماء للحساسيات اللبنانية، فالفلسطيني غير المذهبي يتحول إلى منطق التمذهب والتطييف وهنا تكمن الطامة الكبرى.
أحد مسؤولي الفصائل الفلسطينية يقول في محاولة لجذب اهتمام السنيورة وفي تحليله لاستهداف إحدى القوى السياسية اللبنانية للوجود الفلسطيني يقول بشكل غير جاد "الفلسطيني في النهاية سنّي". هذا النص المتمذهب يعكس وعيا متشكّلا أو متحوّلا، وهو ما ينسجم بالضرورة مع مواقف ضمنية واتجاهات عمل معينة باتت تتخلّل الواقع الفلسطيني بشكل مدروس لتبني على الشيء مقتضاه.
إنّ حفظ الوجود الفلسطيني لا يمكن أن يتم من خلال حفظ المخيم الفلسطيني فقط، بل من خلال حفظ الهوية الكفاحية الفلسطينية المنسجمة مع الثقافة الفلسطينية التي تشكل المقاومة جوهرها وروحها، ومنسجمة أيضاً مع التاريخ الكفاحي للشعب الفلسطيني، غير ذلك نحن أمام نهاية معنوية وروحية لهذا الوجود، وهو ما يشكل مقدمة طبيعية للتّصفية النهاية.