الصين تبني أكبر قوة بحرية في التاريخ!../ جميل مطر

الصين تبني أكبر قوة بحرية في التاريخ!../ جميل مطر

في عام 2002 وقعت الصين مع بقية الدول الأعضاء في رابطة جنوب شرق آسيا على إعلان بالتزام الحيطة وضبط النفس في التعامل مع كل قضايا المنطقة ومشكلاتها. وفي عام 2010، وبالتحديد منذ شهرين، اجتمعت الدول الأعضاء في الرابطة، وحضرت الاجتماع السيدة هيلاري كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة، لتعلن أن بلادها تنظر إلى نزاعات الدول في بحر الصين الجنوبي في إطار المصلحة القومية الأميركية، وانضم إليها في الإعراب عن القلق إزاء تطورات الوضع في المنطقة قادة عشر دول مجاورة للصين شعروا بأن القوة المتصاعدة للصين على أرض الواقع، جعلت الإعلان الصادر قبل ثماني سنوات خالي المضمون وغير ذي معنى.


لم يعد سرا أن الصين تعمل منذ سنوات على بناء قاعدة بحرية للغواصات في جزيرة هاينان وهو ما اعتبره محللون عسكريون تحولا استراتيجيا جذريا في العقيدة العسكرية للصين. أول معنى من معاني هذا التحول كما فسرته الولايات المتحدة، هو أن الحالة الملاحية في بحر الصين الجنوبي سوف تتعرض لقيود، وقد تصبح مساحة المياه التي يمكن لأساطيل الدول الأخرى أن تتحرك فيها بحرية صغيرة للغاية، إذ سيتعين إن آجلا أو عاجلا على بواخر الشحن والبوارج وحاملات الطائرات والغواصات التي ترفع أعلام الدول الأخرى اطلاع القيادة البحرية الصينية مسبقا على تحركاتها.


لا حاجة بنا إلى المراهنة على صدق هذه التوقعات من عدمه، فالأمر الواضح والمؤكد هو أن الصين قد واجهت العالم بأمر واقع جديد في الإستراتيجية الدولية، حين أعلنت على الملأ أن بحر الصين الجنوبي بؤرة اهتمام صينية، ليست أقل خطورة على أمن الصين واستقرارها من البؤرتين التقليديتين، وأعني بهما تايوان والتيبت، بالإضافة إلى بؤرة استجدت مؤخرا في إطار صحوة جماعات إسلامية في وسط آسيا، ألا وهي إقليم سينكيانغ الذي تسكنه أغلبية من شعب الإيغور المسلم.


لم تخف الصين انزعاجها من موقف الوزيرة هيلاري كلينتون وتصريحاتها وبخاصة تلك التي دعت من خلالها إلى «مقاربة» متعددة الأطراف لحل مشكلات الحدود البحرية في إطار منتدى أمن آسيوي يضم إلى جانب الصين، فيتنام والفلبين وبروناي وتايوان وإندونيسيا، أي الدول صاحبة الحقوق في هذا البحر الذي يمتد من جزيرة هاينان شمالا إلى جزيرة بورنيو جنوبا.


يعكس الاهتمام المتزايد من جانب الصين ببحر الصين الجنوبي وكذلك ببحرها الشرقي وبحر اليابان ومضائق تايوان انشغالا طبيعيا ومنطقيا بأمنها المباشر، خاصة أن المناطق المتاخمة لهذه البحار أصبحت خلال الأعوام الثلاثين الماضية أهم قواعد النمو الصناعية والتجارية في الصين إن لم يكن في آسيا كلها. يعكس أيضا توجها إستراتيجيا أوسع نحو العالمية، خاصة أن الشواهد تدل على أن الصين تبني في الوقت الراهن قوة بحرية لعلها احتلت بالفعل الآن المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، وتسعى بحزم لتقليص الفجوة الفاصلة بين المرتبتين.


يذكرنا متخصصون في الشئون الصينية بأرقام لا يمكن إغفالها عند متابعة ثم مناقشة توجهات الصين العسكرية في السنوات الأخيرة. لم يعد خافيا أن الصين تستعد، منذ فترة ليكون في حوزتها 78 غواصة في العام 2020، بمعنى آخر يكون لديها عدد من الغواصات يعادل ما سيكون لدى الولايات المتحدة الأميركية. يتوقعون أيضا أن يكون لدى الصين ما يزيد على سبعمئة قطعة بحرية مسلحة مزوده بالصواريخ وأحدث أجهزة الاتصالات والتوجيه، وهي الآن تقيم مرافئ في بلاد عدة أهمها باكستان وبنغلاديش وسيريلانكا تقول عنها بكين إنها محطات تموين لأسطولها التجاري ومخازن لبضائعها المتوجهة إلى الشرق الأوسط وما وراءه. بمعنى آخر ترفض الصين اتهام دول الغرب لها بأنها تقيم قواعد عسكرية في تلك الدول.


ويميل الخبراء العسكريون من أميركيين وبريطانيين إلى تصديق بيانات الصين عن الموانئ التي تشيدها في الخارج وأنها ليست قواعد عسكرية، لكنهم لا يستبعدون أن تضطر الصين قريبا جدا إلى التفاوض مع دول بعينها للحصول على قواعد أو تسهيلات بحرية تحتمي فيها أساطيلها التجارية والحربية أو لتنطلق منها لمطاردة القراصنة الذين ينشطون في المياه القريبة من شرق إفريقيا ومداخل البحر الأحمر والمضائق التي تحكم طرق الملاحة في بحر الصين الجنوبي.


ما أشبه اليوم بالبارحة، على الأقل في المقارنة التالية. إذ تمر الصين الآن في ما مرت فيه بريطانيا العظمى قبل قرون، حين احتاجت إلى أسطول حربي يحمي مراكبها وتجارتها العالمية. وهنا ينتهي التشابه. ففي أزمنة هيمنة التجارة البريطانية لم تكن هناك في البحار والمحيطات والمضائق قواعد عسكرية بحرية وبوارج ومدمرات لدولة أقوى وأعظم تتولى حماية سفن بريطانيا وغيرها من ناقلات التجارة الدولية، بينما في الأزمنة الراهنة تصعد الصين كقوة تجارية لها وزنها وتمخر سفنها كل البحار مطمئنة إلى أن دولة عظمى هي الولايات المتحدة، تتولى حماية هذه السفن الصينية ضمن مهمتها الموكلة لها ضمنا أو انتزاعا من المجتمع الدولي لحماية طرق التجارة العالمية.

 

 لكن يصعب علينا أن نتصور أن الصين ستواصل نموها الاقتصادي والتجاري معتمدة على حماية الولايات المتحدة الأميركية لتجارتها في ممرات الملاحة الإستراتيجية في العالم. سيأتي يوم لن تكون فيه الصين وشركاتها التجارية العملاقة ومصالحها الاقتصادية مطمئنة إلى الحماية الأميركية. هنا تظهر أهمية وخطورة ما حدث في اجتماع رابطة الآسيان منذ أيام، عندما تأكدت مخاوف الصين بإعلان الولايات المتحدة أن بحر الصين الجنوبي يندرج تحت مظلة التزامها أن تبقى الممرات المائية، ومنها بحار الصين، مفتوحة لكافة الدول وللتجارة العالمية. كان يعنيها بشكل خاص بحر الصين الجنوبي حيث تمر أكثر من ثلث التجارة البحرية العالمية، وحيث يمر نصف مجمل واردات شمال شرق الصين والكوريتين واليابان وتايوان من النفط والغاز. وللسبب نفسه لم تقبل الصين أن تتولى الولايات المتحدة حماية هذا البحر والتجارة فيه، ولتأكيد رفضها الوجود الأميركي قامت بإجراء مناورات بحرية تثبت بها سيادتها على البحر والجزر المتنازع عليها وبخاصة مجموعة الجزر المعروفة باسم سبارتلي وباراسيل. يعرف العسكريون الصينيون كما يعرف أقرانهم في جنوب آسيا والغرب أن حماية تجارة الصين وأساطيلها وقواعدها في الخارج تتوقف على نجاحها في تأكيد هيمنتها على مياه هذا البحر، فهو البحر الذي ستنطلق منه غواصاتها وسفنها العسكرية وبواخرها التجارية المتجهة إلى المحيط الهندي والخليج والبحر الأحمر.


يطلق الكاتب سيمفيندورفر «
Sempfendorfer» تعبير طريق الحرير الجديد على خطوط الملاحة الصينية الممتدة من بحر الصين الجنوبي إلى أقصى نقطة عند الأميركتين مرورا بالشرق الأوسط. ويختلف هذا الطريق عن طريق الحرير القديم في أن القديم اعتمد على البر من مواقع في غرب الصين مرورا بوسط أسيا حتى غربها وجنوب أوروبا بينما يعتمد الطريق الجديد على البحر من موانئ على سواحل بحر الصين الجنوبي مرورا ببحار الهند والعرب وصولا إلى مياه الأطلسي.. هذا الطريق ـ وما ينقله من بضائع ـ هو الذي يفرض الآن على الصين بناء اكبر قوة بحرية، بعد القوة الأميركية كي تصير قريبا أقوى قوة بحرية في التاريخ، وهو التعبير الذي استخدمه روبرت كابلان «Robert Kaplan» في مقال نشرته له مجلة «فورين أفيرز» الأميركية وفي حوارات أجراها في مواقع متعددة. لكنه يقول، وأختلف معه: إن إصرار الصين على بناء قوة بحرية في ظل وجود قوة أميركية عظمى تحمي طرق التجارة الدولية، لا يخرج عن كونه رفاهة تزين بها صعودها السريع في سلم المكانة الدولية، بينما كان بناء بريطانيا قوة بحرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ضرورة لا غنى عنها لحماية تجارتها العالمية.


أختلف مع كابلان وأمثاله من المفكرين الذين ما زالوا مقتنعين بأن ما كان جائزا لشعوب الغرب على مدى قرون، لا يجوز بالضرورة لشعوب الشرق وبخاصة في ما يتعلق بالقوة وعناصرها. الشعوب تتغير. الصينيون الذين عاشوا قرونا يبنون القلاع والأسوار، ومنها سور الصين العظيم ليحموا حدودهم البرية من غزو البرابرة، أي الأجانب، هم أنفسهم الذين قرروا في الأعوام الثلاثين الأخيرة أن تصبح بلادهم أقوى قوة بحرية عرفها التاريخ.