ثمن استئناف المفاوضات: تشريع الاستيطان وإنجازات إستراتيجية لإسرائيل../ هاني المصري

بعد رفض الحكومة الإسرائيلية تمديد مسرحية التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان رغم الجهود الأميركية والدولية الرامية لتحقيق ذلك لضمان استمرار المفاوضات جاء جورج ميتشل مهرولاً إلى المنطقة في محاولة لإنقاذ المفاوضات من الانهيار في ضوء التهديد الفلسطيني بوقفها إذا استمر الاستيطان.

 

إن الإدارة الأميركية عبر ميتشل تحاول في اللحظة الأخيرة النجاح فيما فشل فيه الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته كلينتون طوال شهر كامل.

 

إن نتنياهو لا يريد أن يهرب من "دلف" تجميد الاستيطان إلى "مزراب" وضع الحدود خلال شهرين، لأنه يريد أن يترك يديه حرتين تماماً، ولأنه يريد المحافظة على ائتلافه الحكومي المتطرف والمتعصب جدا.

 

لقد تناقلت وكالات الأنباء أن الصيغة التي يحملها ميتشل تتضمن موافقة الحكومة الإسرائيلية، علناً أو سراً، على تمديد تجميد الاستيطان لمدة شهرين يتم فيهما تركيز المفاوضات على الحدود والأمن. إذا نجحت المفاوضات بالتوصل إلى اتفاق حول الحدود يصبح بعده بمقدور إسرائيل أن تواصل الاستيطان بالمستوطنات التي ستكون ضمن الحدود الإسرائيلية قبل التوصل إلى اتفاق نهائي يشمل القضايا الأخرى.

 

وإذا فشلت المفاوضات تعهدت الإدارة الأميركية بعدم مطالبة إسرائيل لاحقاً بأية مطالبات جديدة بوقف الاستيطان، وبمنع إنجاح أي مشروع قرار عربي يعرض في مجلس الأمن يتضمن اعترافاً دولياً بقيام دولة فلسطينية تفرض على إسرائيل بقرار دولي وبدون مفاوضات ثنائية.

 

إضافة إلى ما تقدم عرضت الإدارة الأميركية رزمة إجراءات أمنية وعسكرية سخية جداً تتضمن موافقة أميركية على بقاء القوات الإسرائيلية في غور الأردن بعد قيام الدولة الفلسطينية، إذا وافقت إسرائيل على مجرد تمديد

الاستيطان لمدة شهرين!! عجبي! إن ثمن استئناف المفاوضات في هذه الحالة سيكون غالياً جداً وأغلى بكثير من عدم استئنافها.

 

إن مجرد الموافقة الأميركية والدولية والعربية على تجميد الاستيطان بشكل جزئي ومؤقت تشكل منحاً للشرعية للاستيطان المفترض أنه بقضه وقضيضه غير شرعي ولا قانوني. فالاحتلال باطل شرعاً وقانوناً، وكل ما بني على الاحتلال باطل شرعاً وقانوناً، ولا يجب منحه وما بني عليه أي شكل من أشكال الشرعية، بأي حال من الأحوال، وبأية صيغة من الصيغ.

 

لقد تناقلت وكالات الأنباء المختلفة أخباراً وتصريحات صادرة على لسان مسؤولين فلسطينيين على مختلف المستويات تفيد بأن الجانب الفلسطيني يقبل بتجميد الاستيطان (الذي يعني عملياً تجميداً جزئياً ومؤقتاً يستثني القدس وآلاف الوحدات قيد البناء والمرافق العامة)، حتى لو كان سرياً، كما يقبل بل ويطالب بتركيز المفاوضات حول الحدود، ولا يمانع أن تواصل إسرائيل الاستيطان في المناطق التي ستكون ضمن الحدود المتفق عليها.

 

السؤال هو ما العمل إذا لم يتم الاتفاق على الحدود خلال الشهرين؟ هل سيوافق الجانب الفلسطيني على استئناف الاستيطان، أم هل سيكتفي بورقة الضمانات الأميركية الجاري الحديث عنها وتتضمن إقامة دولة فلسطينية على

أساس حدود 67 مع تبادل أراض بدون تحديد مساحتها ونسبتها وقيمتها ؟ ما الذي يضمن عدم تراجع الإدارة الأميركية عن هذا التعهد كما فعلت سابقاً؟

 

إن الموقف الفلسطيني الذي يوافق ضمناً أو صراحة على أي شكل من أشكال استمرار الاستيطان، ولو بشكل الموافقة على تجميد مؤقت، خاطئ تماماً وخطير جداً، لأنه يعطي موافقة فلسطينية على استمرار الاستيطان في القدس والمناطق والوحدات التي لم يكن يشملها القرار الإسرائيلي السابق، ولن يشملها القرار الجديد إن صدر.

 

كما أن هذا الموقف يشكل استمراراً وإمعاناً في فصل القضايا التي تشكل قضية واحدة إلى قضايا منفصلة عن بعضها البعض رغم أنها لا انفصال بين أجزائها المختلفة.

 

إن فصل القضايا عن بعضها البعض يعني إضعافها ويسهل عملية تجاوزها وتصفيتها. وانطلاقا من إدراك ذلك، كان موقف المفاوض الفلسطيني في السابق في مؤتمر كامب ديفيد يحاول أن يقلل من خطر المفاوضات التي تسير بدون مرجعية ولا ضمانات ولا أي التزام إسرائيلي بأي نوع، من خلال اعتبار أن توقيع الاتفاق النهائي مرهون بإنهاء التفاوض حول جميع القضايا، بحيث إن الاتفاق على بعضها والفشل في الاتفاق على بعضها الآخر يعني عدم الاتفاق على أي منها.

 

إن القيادة الفلسطينية أمام ضرورة اتخاذ موقف جريء وتاريخي يستند على مراجعة تجريه المفاوضات واستخلاص الدروس والعبر، ورفض التفاوض في ظل الاستيطان والجدار والفصل وتقطيع الأوصال وتهويد وأسرلة القدس، والإصرار على أن تكون المفاوضات في إطار دولي كامل الصلاحيات وعلى أساس مرجعية

واضحة وملزمة تقوم على إنهاء الاحتلال والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

 

أما الاستمرار بالرهان على المفاوضات بدون ضمانات ومرجعيات، وبالأوهام حول الحل القريب، والدولة التي على مرمى حجر، فهو الإمعان في الخطأ، الذي يمكن إذا استمر أن يصل إلى حد ارتكاب الجريمة بحق النفس والوطن والشعب والقضية!!.

 

إن الأمر الحاسم الذي يمكن أن ينقذ القضية الفلسطينية من التصفية الشاملة أو التدريجية هو العمل على بلورة بديل واقعي وطني ديمقراطي عن طريق المفاوضات من اجل المفاوضات، طريق المفاوضات إلى الأبد!!