من دروس أكتوبر../ مطانس شحادة*

من دروس أكتوبر../ مطانس شحادة*

* باحث في مركز مدى الكرمل

جاءت هبة القدس والأقصى كتعبير عن موقف ومقولة سياسية وطنية للفلسطينيين في الداخل، على إثر مشاهد القتل والعنف الذي مارسه جيش الاحتلال في المناطق الفلسطينية بعد اقتحام شارون للمسجد الأقصى. لكنها جاءت أيضا في ظل تحولات عميقة في الوعي السياسي للفلسطينيين في الداخل منذ منتصف التسعينيات. فهناك من يدعي أن اتفاقيات أوسلو وتنامي التيار الوطني لدى الفلسطينيين في الداخل أعادت فتح ملفات الـ 48، منها حق العودة، اللاجئين، السيطرة على الأراضي، والأهم إبداء عدم رضا من صيغة النظام. ولم يعد الشرخ الأساسي يدور حول إنهاء الاحتلال ومساواة الفلسطينيين في الداخل دون ربطها (أي المساواة) مع طبيعة النظام. وبهذا المعنى كان هناك تحول في تعريف الصراع-الشرخ بين المجتمع الفلسطيني والمجتمع الإسرائيلي ونقله إلى المحور الداخلي وطبيعة الدولة ومكانة الفلسطينيين وتقاسم السلطة، وهذا تغيير جوهري.
 
 
على إثر تنامي وعي سياسي جديد وتنظيم تيار قومي في الداخل منتصف التسعينيات، وهبة القدس والأقصى عام 2000  أخذت المؤسسة الإسرائيلية بإعادة تعريف "مشكلة الفلسطينيين في إسرائيل"، من مشكلة يمكن احتواؤها دون دفع ثمن باهظ من حيث "يهودية أو ديمقراطية إسرائيل" كما كان الاعتقاد لغاية التسعينيات، إلى مسألة تتطلب حلا واختيارا بين بدائل، إما الحسم في مسألة الفلسطيني في الداخل لصالح الحفاظ على يهودية الدولة وسيطرة وتفوق المجموعة اليهودية وفرض ذلك على الفلسطينيين وإما التحول إلى دولة عادية - طبيعية ديمقراطية (دولة جميع مواطنيها أو دولة ثنائية القومية. المؤسسة الإسرائيلية اختارت الحل الأول. هذا الحسم كان لا بد أن يترجم في سياسيات عداء تجاه الهوية الفلسطينية والمطالب الفلسطينية في الداخل.  فبعد أن مارست إسرائيل عداءها بوسائل أمنية وعسكرية - دون أن تعلن ذلك-  تجاه الفلسطينيين في هبة أكتوبر، باتت منذ تلك الهبة تترجم عدائها بواسطة وسائل أخرى، سياسية وتشريعية. بعد انتفاضة الأقصى بات شرعيا ومقبولا بل مطلوب أن تسن قوانين تمس بالعرب بشكل مباشر. وبدأ التركيز على محاولات قمع الهوية الفلسطينية والوعي السياسي بواسطة قوانين.
 
 
من إسقاطات هذا التغير باتت الدولة تستعمل سياسة عدائية أكثر وضوحا تجاه الأقلية الفلسطينية؛ تنامي المطالبة بالتعامل مع ما يسمى التهديد الديموغرافي للأقلية الفلسطينية على الطابع اليهودي للدولة، وباتت مشاريع تهجير الأقلية أو قسم منها أكثر رواجا وشرعية؛ وجود شبه إجماع بين الأحزاب الصهيونيّة الأساسيّة على قبول خطاب ليبرمان وحزبهإسرائيل بيتناالذي يطالب بسَنّ قانون يقرن بين قَسم الولاء للدولة -من جهةوالمواطَنة -من جهة أخرىويدعو لتبادل مناطق بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة؛ فرض القبول بمواطَنة تحت سقف الشروط الإسرائيليّة، والتخلّي عن الهُويّة القوميّة الجماعيّة ومطالب الحقوق الجماعيّة لأقلـّيّة وطن أصليّة؛ مطالبة الفلسطينيين منح شرعية لإسرائيل كدولة الشعب اليهوديّ؛ قبول الادّعاء الإسرائيليّ أنّ تحقيق المَطالب القوميّة للفلسطينيّين في إسرائيل سيكون فقط بواسطة إقامة دولة فلسطينيّة في المناطق المحتلة.
 
 
صحيح أن هبة أكتوبر كانت من أبرز تجليات تغير الوعي السياسي لدى الفلسطينيين في الداخل، ونقطة مفصلية في الكشف عن عدائية الدولة، لكنها لم تكن الحدث الوحيد في السنوات العشر الأخيرة.  فقد تنامى عداء المؤسسات والدولة تجاه السكان الفلسطينيين أكثر وأكثر حين اكتشفت الدولة إسقاطات تغير الوعي السياسي في تغيير التصرف السياسي لدى الفلسطينيين وفي بلورة هذا الوعي في نوع جديد من المطالب التي وجهت إلى الدولة.
 
 
 من أبرز تلك الأحداث نجد: موقف الفلسطينيين من الحرب الإسرائيلية على لبنان؛ الطروحات التي قدمتها مجموعة الأقلية لصياغة العلاقة بينها وبين الدولة، أو ما سمي بتصورات مستقبلية؛ ومن ردود الأفعال الصادرة من قبل المجتمع الإسرائيلي على هذه الوثائق نستطيع أن نفهم أن الغضب الأساسي هو على التجرؤ والمبادرة باقتراح الأوراق أكثر من الغضب من المضمون، ففي كثير من الحالات كانت ردود الفعل بمعزل عن المضمون  ومعارضة الفلسطينيين للحرب على غزة بالإضافة إلى الانتخابات الإسرائيلية في العام 2009. فقد فاقمت تلك الأحداث علاقة العداء بين الدول والسكان الفلسطينيين، كونها تدل على تقوية الهوية القومية الجامعة؛ كسر حاجز الخوف من الدولة؛ تحول الفلسطينيين إلى لاعب في الساحة الإقليمية وترجمة المواقف السياسية المعارضة للتصرفات العدائية الإسرائيلية إلى تصرفات سياسية.
 
 
لكن في ظل الوضع القائم في الدولة وشروط اللعبة "الديمقراطية" نجد أن معظم وسائل العمل السياسي المؤسساتي والرسمي مغلقة أمام الفلسطينيين، وفي أفضل الحالات هناك مثالية شكلية لاستعمال تلك الوسائل لا جوهرية. على سبيل المثال استخدام آليات السلطة التنفيذية مغلق تماما أمام الفلسطينيين؛ واستعمال السلطة التشريعية للتعبير عن مواقف ومطالب الفلسطينيين محدود للتعبير عن موقف وعرض مطالب دون إمكانية تحقيق المطالب أو منع سياسات الإقصاء والتمييز؛ والعمل من خلال السلطة القضائية متاح في أفضل الحالات للمطالب اليومية وعلى المستوى الفردي لا الجوهري الجماعي. إذ يعتبر المجتمع الإسرائيلي والمؤسسات الحاكمة أن المطالب الجدية للفلسطينيين تشكل نوعا من أنواع التهديد المباشر على الطابع اليهودي للدولة، أي على الهيمنة اليهودية في الدولة، ويرى فيها تطرفا في الوعي والمطالب السياسية للأقلية الفلسطينية.
 
 
في ظل هذا الواقع يسأل كثيرون ما العمل وكيف يمكن تغيير المكانة السياسية والقانونية للفلسطينيين في الداخل. وما من شك أن إحداث تغيير كهذا يتعلق، من ضمن ما يتعلق، بأنماط التصرف المستقبلي للأحزاب العربية والمؤسسات المدنية، ومدى نجاعة استخلاص عبر تجارب السنوات الأخيرة لتكون رافعة لإعادة هيكلة الأحزاب وتنظيمها، وترتيب علاقتها مع المجتمع المدني ومع المواطنين، والبدء بعمل جدي لتنظيم الفلسطينيين في الداخل تحت مؤسسة وطنية منتخبة. أي بمدى تعاملنا مع أنفسنا كجماعة يمكن أن تصوغ رؤيا جماعية واضحة لمستقبلها، وتحدد برنامج عمل لتحقيق تلك الرؤيا وفقا لاحتياجاتها أولا وأخيرا، ومن ثم وفقا لمحدوديات الواقع. على هذه المؤسسة المنتخبة أن تعرض مطالب المجتمع الفلسطيني أمام الدولة، وتكون بمثابة عقد اجتماعي جماعي بين أفراد المجتمع الفلسطيني، وتعبير عن طموحاتنا وأحلامنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهي أمور لا يستطيع أي حزب أو تيار أن يقوم به أو يدعيه عن طريق العمل في الكنيست وحدها.
 
 
مما لا شك فيه أيضا أن عددا من العوامل الخارجية سيكون له تأثير مباشر على التصرف السياسي المستقبلي للأقلية الفلسطينية في الداخل. كما برزت في الحرب الأخيرة حالة انعدام العمل السياسي المنظم والجماعي لدى الأقلية الفلسطينية، إلى ابعد حدود، ففي مقابل الموقف الجماهيري المناهض للحرب، لم تبادر القيادات العربية إلى بلورة هذا الواقع إلى حالة من الاحتجاج الجماعي المنظم والباعث للاحترام والتعامل معه في الطرف الآخر، بل إن تنظيم الاحتجاجات نظم بشكل منفرد على يد الأحزاب والتيارات الحزبية.
 
 
كل هذا يقودنا مرة أخرى إلى العودة للتأكيد على ضرورة إخراج مخططات تنظيم الفلسطينيين في إسرائيل إلى حيز التنفيذ وأهمها الشروع بتنفيذ مشروع انتخاب لجنة المتابعة العليا بشكل مباشر.