عود على بدء: ما العمل؟!../ علي جرادات

شكل عرض باراك الذي رفضه الشهيد الرئيس ياسر عرفات في مفاوضات كامب ديفيد 2000، بداية الوضوح الرسمي، ناهيك عن وضوح الممارسة على الأرض، لسقف الموقف الإسرائيلي، حول "قضايا الوضع النهائي". وكذا، فقد شكل تحميل إدارة كلينتون للفلسطينيين مسؤولية فشل تلك المفاوضات، بداية الوضوح الرسمي، وأيضا ناهيك عن وضوح الممارسة، لمستوى إنحياز الموقف الأمريكي للموقف الإسرائيلي الرامي للقفز عن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، بل حتى عن إقامة دولة مستقلة سيادية في حدود الرابع من حزيران 1967. تلك هي حقيقة الموقف الإسرائيلي المسنود أمريكياً، بمعزل عن تبدّل اللون الحزبي للحكومات الإسرائيلية والأمريكية، وبصرف النظر عن التمايز النسبي القائم فيما بينها.

   على ذلك، فإنه، حتى قبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، بقيادة "الليكود" و"إسرائيل بيتنا"، كانت الحكومة السابقة بقيادة "كاديما" و"العمل" قد عقدت العزم بدعم أمريكي على تنفيذ "خطة الإنطواء" في الضفة الغربية، كحلقة ثانية في مشروع الإنفصال عن الفلسطينيين، سيان بإتفاق مع الفلسطينيين أو من طرف واحد، بعد أن كان شارون قد حصل على ورقة الضمانات الأمريكية، ونفذ الحلقة الأولى من هذا المشروع في غزة بصورة أحادية.

   بذلك، إتضح، وبما لا يقبل مجالاً للشك، أن الموقف الإسرائيلي الأمريكي، وبصرف النظر عن اللون الحزبي السائد، ينطلق بعد إدارة الظهر لحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، من التعامل مع الفلسطينيين المتبقين على أرضهم كـ"مجموعات سكانية غير يهودية على أرض إسرائيل اليهودية"، ما يعني الإنطلاق من عدم الإعتراف بالفلسطينيين كشعب له، أسوة بباقي الشعوب، الحق في تقرير مصيره بنفسه.

   وهذا يعني إقتصار الإستعداد الإسرائيلي بدعم أمريكي على تلبية مطالب إحتياجات الفلسطينيين في إدارة شؤونهم المدنية كـ"مجموعات سكانية غير يهودية"، في إطار "حكم إداري ذاتي"، وفي أحسن الأحوال "حكم ذاتي إقليمي"، تحت سيادة "دولة إسرائيل اليهودية" على الأرض وما في باطنها، وعلى الجو والبحر. وبالتالي، يغدو بدون رصيد، أي حديث عن الإقرار النظري الرسمي الإسرائيلي والأمريكي بـ"دولة فلسطينية قابلة للحياة، تعيش بسلام إلى جانب دولة إسرائيل"، ما دام الحديث يدور عن دولة لا تلبي تعريف القانون الدلي للدولة.

   تلك هي الحقائق المرة في خطط الحكومات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، سواء في الممارسة على الأرض أو في الموقف التفاوضي الرسمي المعلن. ومع هذه الحقائق، وفي أقله، منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد المفصلية عام 2000، أصبح الفلسطينيون والموقف الرسمي العربي، وجهاً لوجه أمام سؤال ما العمل؟؟؟

وعلى هذا السؤال الحارق، لم يتلكأ الفلسطينيون، وردوا بالدم قبل الشعارات، بإشتعال كامل سهلهم في إنتفاضة الأقصى في أيلول 2000، غير أن خذلان الموقف الرسمي العربي، وعجزه عن إحتضان الجسامة غير المسبوقة لتضحيات تلك الإنتفاضة، ناهيك عن إثقالها بالتداعيات الكارثية لـ"غزوة" بن لادن في 11 أيلول 2001، حال دون أن تسفر هذه المحطة المجيدة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، عن فرض إعتراف الإسرائيليين بالفلسطينيين كشعب له حقوق سياسية وطنية مغتصبة، وفي أقله الإقرار بأن الأراضي المحتلة عام 1967، هي أراضٍ محتلة وليست أراضٍ متنازع عليها، كما نصت على ذلك قرارات الشرعية الدولية. بل أكثر من ذلك، فإنه، وبالإستناد إلى العجز الرسمي العربي عن إحتضان الإنتفاضة، وعبر الإستثمار البشع لـ"غزوة بن لادن" غير الميمونة، تغول شارون، وأصبغ صفة "الإرهاب" على الفعل الإنتفاضي الفلسطيني، فإجتاح الضفة ودمر غزة، ودشن جدار الفصل السياسي العنصري، ولم يستثنِ في إغتيالاته قيادات سياسية من الصف الأول، بوزن أبو علي مصطفى والشيخ ياسين، وصولاً إلى دسَّ السم للرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات، كرأس للشرعية الفلسطينية، ما عنى عملياً، إنما بدون ترسيم، مسح شارون حتى لإعتراف حكومة رابين عام 1993 بمنظمة التحرير الفلسطينية، الإعتراف الذي، وإن لم يرتقِ إلى حدود الإعتراف بالشعب الفلسطيني، وحقه في تقرير المصير، إلا أنه كان يرمز إلى ذلك، على الأقل من وجهة نظر المرحوم أبو عمار. كذلك، فإنه، بالإستناد إلى والبناء على، ما قام به شارون على الأرض، جاءت مطالبة ورثته أولمرت وليفني، والآن نتنياهو، ناهيكم عن ليبرمان، بمطلب إعتراف الفلسطينيين والعرب بإسرائيل كـ"دولة للشعب اليهودي"، ما يعني قفزاً عملياً عن إكتفاء رابين بإعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بـ"دولة إسرائيل".

   في هذا الإطار، ووفقاً لتحليلات صحافيين إسرائيليين مطلعين وازنين، تعمد نتنياهو التغيب عن إجتماع هيئة الأمم، وأرسل وزير خارجيته ليبرمان، ليقول نيابة عنه، ما لا يريد قوله صراحة وعلنا في محفل دولي رسمي، حول أطروحة "التبادل السكاني والجغرافي"، كصياغة "مهذبة" لإنكار حق الفلسطينيين وراء الخط الأخضر في المواطنة والوجود على الأرض. وفي هذا عدم إكتفاء حتى بما كان قد حاول حزب العمل بقيادة رابين وبيرس وباراك على التوالي فرضه، أي الحفاظ على الكتل الإستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، منذ علل رابين ذلك، عشية التوقيع على إتفاق أوسلو، بالتمييز بين "المستوطنات السياسية"، وبين "المستوطنات الأمنية".

   عليه، فإن المعاني السياسية لحقائق الموقف الإسرائيلي حول "قضايا الوضع النهائي"، بل حتى حول موضوع حدود الرابع من حزيران، قد زادت تغولاً وصلفاً، ولم تعد كما كان عليه الحال الذي أشعل إنتفاضة الأقصى أيلول 2000، كردٍ فلسطيني ميداني على سؤال ما العمل؟؟؟ بعد تفجير باراك السياسي بتغطية أمريكية لمفاوضات كامب ديفيد المفصلية في تموز 2000.

   بلى، زادت المطالب الإسرائيلية التعجيزية حدة، وزادت الأهداف النهائية لهذه المطالب وضوحاً، وزاد إنحياز الموقف الأمريكي للمطالب الإسرائيلية وأهدافها سفوراً، بعد إفتضاح عدم جديته، في الضغط على نتنياهو، حتى في موضوع تمديد مسرحية التجميد المؤقت والجزئي للأنشطة الإستيطانية في الضفة الغربية، خاصة بعد إقدام إدارة أوباما على تقديم ورقة ضمانات إستراتيجية لإسرائيل، أُقتطعت من رصيد الحقوق الفلسطينية، وفاقت في سخائها تلك الضمانات التي كان قد قدمها الرئيس الأمريكي السابق، بوش، لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، شارون.

   أمام هذه الحقائق المرة للموقفين الأمريكي والإسرائيلي، التي لا طاقة للفلسطينيين على مجابهتها بمفردهم، لا سياسياً، ولا ميدانياً، أي بإشعال إنتفاضة ثالثة كما فعلوا في أيلول 2000، ذلك أساساً بفعل هشاشة عاملهم الذاتي، المترتبة على إنقسامهم الداخلي الكارثي. نقول أمام هذا كله، تكون "لجنة المتابعة العربية"، ومن خلفها قمة سرت، مرة أخرى وجهاً لوجه، إنما بشدة أعلى، أمام سؤال ما العمل؟؟؟ فهل ينتصر العرب لأشقائهم الفلسطينيين، وفي أقله سياسياً، عبر تحمل مسؤولية رفع ملف القضية والصراع لهيئة الأمم مرجعية ورعاية، والعمل بطول نفس، في مواجهة الفيتو الأمريكي المنتظر؟؟؟ أم أن جولة ميتشل العربية، نجحت في لجم هذا الخيار، وغيره من الخيارات، لصالح استمرار خيار الرهان على أوهام إمكانية الضغط الأمريكي على الإسرائيليين، الذي لم يأتِ، ولن يأتي، من دون قطع الفلسطينيين مع نهج أوسلو، ومطالبة العرب، على الأقل، لتفعيل عوامل قوتهم السياسية في هذا الإطار.