خسرنا الأفارقة ولم نربح فلسطين../ طلال سلمان

خسرنا الأفارقة ولم نربح فلسطين../ طلال سلمان

قمتان بدل القمة الواحدة لفضائح أهل النظام العربي

 

وفقاً لقاعدة «من ليبيا يأتي الجديد» التي اكتشفها فعممها «الأخ القائد» معمر القذافي، صارت لأهل النظام العربي قمتان في السنة بدلاً من قمة واحدة، وهكذا يمكن لقادة العالم والكتّاب والمعلقين والمراقبين والدبلوماسيين أن يضحكوا من «العرب» وتعثراتهم وارتباكهم داخل أتون خلافاتهم التي لا تنتهي في وصلات متصلة، لا تكاد تنتهي أولاها حتى تجيء ثانيتها بمزيد من اللطائف والطرائف غير المسبوقة.


وها نحن قد شهدنا التجربة الأولى للقمة الطارئة التي افتتحت يوم السبت الماضي في مدينة سرت الليبية التي اعتمدها القذافي عاصمة بديلة من طرابلس، وقد تعززت بعد ساعات بقمة أخرى استحدثت على عجل لتجمع شتات العرب مع شتات القارة الأفريقية، بغير تمهيد وبغير جدول أعمال محدد.


ولقد تلاقى الحشد: أغراباً يلاقون أغراباً، خصوصاً أن الرابط الأعظم بينهم، ونعني مصر بالأساس، قد أهمل دوره وترك مسؤولياته المباشرة، مصرياً وعربياً وأفريقياً، للريح على امتداد أربعة عقود طويلة، فخلا الجو لإسرائيل كي تملأ «الفراغ» العربي موظفة قدراتها وإمكاناتها الذاتية إضافة إلى «التسهيلات» الأميركية خاصة والغربية عموماً، وكذلك الخلافات العربية ـ العربية.


هل نسينا أن أكثرية العرب «أفارقة» بدءاً بمصر، مروراً بالسودان والصومال فضلاً عن تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا إضافة إلى ليبيا برئيسها ملك ملوك أفريقيا.. ولو إلى حين!


ثم إن الجزائر التي كان لها الموقع المميز قد انشغلت بالصحراء، فصيّرتها قضيتها البديلة من فلسطين، ساحبة معها المغرب إلى صراع عبثي على الأفارقة، مما وسع هامش النفوذ الإسرائيلي على حساب العرب جميعاً.
وأما موريتانيا فقد حوّلتها الانقلابات العسكرية المصنعة غربياً إلى ما يشبه القاعدة الإسرائيلية في غيبة قبائلها المشغولة بصراعاتها.


يمكن القول باختصار: إن أهل النظام العربي قد تسببوا في خسارة فادحة، إذ أهملوا بل نفّروا مجموعة من الشعوب الصديقة التي كادت تصل في روابطها الحميمة مع العرب إلى حد الأخوة (وهذا هو المنطقي والطبيعي). ودفعوها دفعاً إلى أحضان إسرائيل، حتى كادت تصبح في موقع الحليف لها والمخاصم للعرب. يكفي هنا الاستشهاد بالطرح المباغت لإعادة النظر في توزيع الأنصبة في مياه النيل والذي شكل «صدمة» لمن باع أصدقاءه ولم يربح عدوه، ومن غفل عن حقوق بلاده الوطنية فلم يحسن حمايتها، فلما فوجئ بتهديدها جدياً.
ارتبك ولم يجد ما يفعله غير الهياج الأرعن الذي يزيد من خسائره السياسية والمعنوية ولا يعيد إليه أصدقاء لم يعرف كيف يحفظهم.


فأما القمة العربية التي غاب الكثير من «نجومها» فقد غرقت في جدل لغوي عن الفوارق اللفظية بين «الجامعة» و«الاتحاد» وكأنما المشكلة في التسمية فحسب، قبل أن يكتشف المجادلون أن الوقت المخصص لجدول أعمالهم المزدحم بالمآسي والكوارث القومية قد انتهى، فأوكلوا إلى وزرائهم النابهين أن يعملوا على صياغة بيان مخادع يتستر على فضيحة عجزهم عن التوافق على الحد الأدنى، ثم غادروا معتمدين على تفهم الإدارة الأميركية، برئيسها ذي الجذور الإسلامية، لأسباب حرجهم، لعلها تساعدهم على تأجيل جديد للحظة الانفجار في فلسطين عبر إقناع القيادة الإسرائيلية بإرجاء الاستيلاء الكامل على أراضي الضفة حتى الأغوار، لاستيراد المزيد من المستوطنين والتعجيل بإعلان «التطهير المطلق» لدولة يهود العالم من «الأغراب»...


وهكذا ربحت الإدارة الأميركية شهر الإنذار العربي من أجل إقرار أخطر صفقة تسليح لإسرائيل، تزودها خلالها بطاقة تدمير تكفي لإعادة المنطقة من حولها إلى عصر الإنسان الأول.
كما ربحت إسرائيل الفرصة لإقرار القانون الجديد الذي يفرض على كل من يعيش في الأرض المحتلة أن يقسم يمين الولاء لإسرائيل الدولة اليهودية الديمقراطية... وهي بدعة لا سابق لها في التاريخ، إذ تزاوج العنصرية بالديمقراطية فتنتج هذا المسخ الذي يفرض كنموذج معاصر للتقدم الإنساني.


...
وعبر القمتين كانت أكثر المطالب العربية تطرفاً أن يمدد نتنياهو المهلة شهراً بإغراءات أميركية هائلة بالسلاح والمعدات الحربية والمساعدات الاقتصادية (التي قد يدفع بعض أثمانها وتقديماتها أهل النظام العربي أنفسهم)، مما سوف يجعل إسرائيل ـ حقيقة لا تصوراً ـ واحدة من الدول العظمى، والأقوى من دول الشرق الأوسط جميعاً بدءاً بمصر وانتهاء بإيران، ومعها ـ على الأرجح ـ تركيا.


ومع أن مبدأ تلاقي العرب والأفارقة على مستوى القمة(؟!) هو تطور إيجابي، إلا أن اجتماع ألف ضعيف لا ينتج قوة، فكيف إذا كانت الخلافات تعصف بصفوف الطرفين، وهذا ما ثبت في القمة الأولى وتأكد في القمة الثانية.
..
وكيف إذا كانت إسرائيل قد اخترقت صفوف الجمعين معاً، فغدا لها وجود مؤثر، ومع الوجود نفوذ معزز بالمساعدات والاتفاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وباتت تملك حق الفيتو على القرار في العديد من الدول العربية والأفريقية.


وكيف إذا كانت «السلطة الفلسطينية» تتهاوى ضعفاً وارتباكاً وتوالي تقديم التنازلات (بتحريض مباشر من أهل النظام العربي، بل برعاية مصورة، بغض النظر عن واقعة التزوير في الصور..)، فإذا جاءت اللحظة الحاسمة وحاولت المكابرة عبر التهديد بالاستقالة، ضاع تهديدها في الهواء، لان قرارها ـ حتى في الاستقالة! ـ ليس في يدها... ولطالما كابرت فحاولت أن ترفض بعض العروض المهينة، لكنها عادت فقبلتها لا فرق أن يكون هذا القبول قد تم بضغط أميركي أو عربي أو مشترك أو بفعل تخوفها من حالة التآكل الداخلي التي تجعل تهديدها موجهاً إلى الشعب الفلسطيني وليس إلى إسرائيل التي كانت عدواً فباتت مرجعاً... للسلام!


لقد واكبت قيادات عربية مؤثرة المحاولة الأميركية البائسة لتليين «التطرف الإسرائيلي» ليس من أجل حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه، وفي دولة له فيها، بل لحماية أوضاعها من الهزات الارتدادية على «الداخل».
وبمعنى ما فإن رئيس السلطة الذي لم يشتهر عنه التطرف قد وجد نفسه مضطراً إلى رفض العرض الانتحاري الذي قدم له وكان مستحيلاً عليه قبوله، حتى وهو محاصر «بحماته» و«مناصريه» بل ومحرضيه على الرضا بالمقسوم ما دام الأميركي هو الضامن.


ولم يكن بحاجة إلى ذكاء خارق لكي يتحقق أن الرئيس الأميركي الأسمر قد انقلب على ذاته وابتلع خطبه «العربية» ولكنته الإسلامية لينضبط خلف «دولة يهود العالم» متعهداً بأن يقدم لها ما يجعلها إمبراطورية الشرق، بوصفها الوجه الآخر لإمبراطورية الغرب، ومن موقع الشريك وليس التابع أو النصير أو الأخ الأصغر.


بديهي والحال هذه أن يتدبر أهل النظام العربي أمرهم، وأن يتحولوا من موقفهم الضاغط لتحسين شروط المفاوض الفلسطيني إلى حماية أوضاعهم المتهالكة بالضغط عليه (عبر التواطؤ معه) فيتذرع بهم ويتذرعون بوضعه الدقيق والحرج وضرورة استنقاذ ما يمكن إنقاذه... حتى لا يدينهم التاريخ!


كانت القمة في بداية اعتمادها موعداً للقاء سنوي يتم فيه استعراض مجمل المشكلات العربية، تتم فيه مصالحات تنهي إشكالات أو خصومات لا مبرر لها، ويتفق فيه على خطة أولية للتحرك المشترك عبر وحدة الموقف إذا ما تعذر الاتفاق على هدف موحد.


ثم اختلف الزمان فباتت القمة لا تعقد إلا بوساطات وشفاعات وتهديدات ومداخلات أجنبية (أميركية غالباً) لانتزاع تنازل عربي جديد، أساساً في ما يخص قضية فلسطين، وإجمالاً في ما يتصل بتخلي العرب عن الموقف الجامع الذي يجعل منهم قوة سياسية مؤثرة.
من هنا يمكن القول، إن إسرائيل الغائبة بالمعنى الرسمي هي الأعظم حضوراً بالمعنى العملي، فلها جمهور أفريقي مؤثر كما لها جمهور عربي معطل لأي توجه نحو معاملتها كعدو، للعرب أساساً، ولجماهير الشعوب المستضعفة عموماً.
إسرائيل الآن «قوة تعطيل عربية»، بقدر ما هي قوة تأثير أفريقية... وما يعز عليها نيله منفردة يأتيها عبر الإغراء (أو الضغط) الأميركي.


بل إن العديد من الدول الأفريقية التي صدقت العرب فقاطعت إسرائيل أو خاصمتها لحين من الدهر تشعر اليوم بمرارة هائلة لان أولئك العرب اندفعوا الى مصالحة إسرائيل بشروطها، وتركوا «أصدقاءهم الأفارقة» في وضع دونكيشوتي طريف: يقاتلون لحساب من صالح، بدافع من الأخوة والشراكة في المصير، بينما «رفاق السلاح العرب» باتوا يلومونهم على استمرارهم في موقفهم العدائي بل العبثي الذي لم يعد له ما يبرره.


لا اتفاق بين العرب المنقسمين الآن بين مصالحين بالشروط الإسرائيلية، ومعترضين، إما لأسباب مبدئية (وهم قلة)، وإما لأنهم أهملوا طويلاً... فكيف، وبأي من المنطقين سيقنعون أشقاءهم الأفارقة؟
آخر الطرائف: أن أهل النظام العربي، لا سيما الأغنياء منهم، قد باتوا من كبار المستثمرين في الدول الأفريقية. ولقد تفاءل المواطن العربي، للحظة، مفترضاً أن «المال العربي» سيوظف، أخيراً، من أجل نصرة قضاياه، لا سيما أنه يفيد أشقاءه الأفارقة.
لكن واقع الأمر أن هذا التوظيف قد صب لمصلحة إسرائيل، عندما اكتشف أهل النظام العربي أن لإسرائيل قوة تأثير لا يمكن تجاهلها... وبالتالي صار عليهم واجب طمأنة إسرائيل حتى لا تتهمهم ـ لا سمح الله ـ بأنهم يجيئون إلى أفريقيا لطردها منها.
قمتان بدل قمة واحدة... هزيمتان بدل هزيمة واحدة، وفي توقيت مناسب تماماً، لإعلان قيام دولة يهود العالم على الأرض التي كانت تسمى فلسطين!
ماذا لو استغنينا عن القمم، واكتفينا بفضائح على مستوى السفح؟