نتنياهو وتسلية "يا مقتول يا مقتول"!!../ علي جرادات

نتنياهو وتسلية "يا مقتول يا مقتول"!!../ علي جرادات

قرار حكومة نتنياهو إجراء تعديل على "قانون المواطنة"، تمهيداً لعرضه على الكنيست، ليس خطوة تكتيكية معزولة، أو مجرد جزء من المساومات بين نتنياهو وليبرمان، بل هو خطوة أخرى تعزز ما سبقها، وتؤسس لما سيتلوها، من خطوات تعكس اتجاها سياسيا سائداً، بل طاغياً، في السياسة الإسرائيلية، رسمياً وشعبياً. وهو الاتجاه الذي أسس له جابوتنسكي في معارضة برغماتية بن غوريون داخل الحركة الصهيونية، وجسده لاحقاً  تكتل الليكود بقيادة بيغن وشامير. وجاء نتنياهو كوريث يستكمل المشوار.

   واليوم تتقاطع مع هذا الاتجاه، من على يمينه، ومن على يساره، مجموعة من الأحزاب، يجمعها، على ما بينها من تمايز نسبي، الاتفاق على خطوط سياسية أساسية، مستوحاة من خط أيديولوجي مشترك، ما زال مؤمناً بـ"حق اليهود التاريخي" في ملكية كامل أرض فلسطين. ويرى في مَن تبقى من الفلسطينيين على أرضهم، أي مَن لم تستطع سياسة التطهير العرقي من اقتلاعهم، سواء في ما وراء الخط الأخضر أو في الضفة والقطاع، مجرد "مجموعات سكانية غير يهودية تعيش على أجزاء من أرض الشعب اليهودي الكاملة". ما يعني عدم الإقرار بحقيقة أن الفلسطينيين شعب. وبالتالي استمرار التنكر لحقهم في استعادة حقوقهم المغتصبة في العودة وتقرير المصير وبناء دولتهم السيادية المستقلة.  

   بلى، في هذا السياق السياسي الأيدولوجي يندرج قرار حكومة نتنياهو إجراء تعديل على "قانون المواطنة" في إسرائيل. وفي ذات السياق يندرج:

1: قرار اللجنة الوزارية المكلفة بإعداد مشاريع القرارات للكنيست، القاضي بضرورة إجراء استفتاء شعبي حول أية انسحابات من القدس والجولان، كمنطقتين كان قد جرى إعلان ضمهما لإسرائيل، دون غيرهما من الأراضي المحتلة عام 1967.

2: مشروع القرار الذي أعلن الوزير ايلي يشاي (شاس) عزمه على تقديمه، والمتعلق بسحب الجنسية الإسرائيلية من كل مَن لا يقر بالولاء لدولة إسرائيل كـ"دولة للشعب اليهودي".

3: أطروحة ليبرمان حول "التبادل الجغرافي والسكاني"، التي توافق عليها، بصرف النظر عن أشكال التعبير، كافة أحزاب الاتجاه السياسي الأيديولوجي المشار إليه أعلاه.

4: عدم التخلي عن مطلب الاحتفاظ بالتجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة، ناهيك عن القدس غير الخاضعة للنقاش، في أية "تسوية سياسية" مع الفلسطينيين.

5: عدم اكتفاء أحزاب الاتجاه السياسي الأيديولوجي المشار إليه أعلاه بما تم حتى الآن من اعتراف دولي وعربي وفلسطيني بإسرائيل كـ"دولة إسرائيل"، التي وسعت أصلاً بقوة الحراب وفرض الوقائع على الأرض نطاق ما أقره لها القانون الدولي من حدود. وبدأت هذه الأحزاب، منذ سنوات، العمل بكل السبل، وبضمنها فرض وقائع قانونية، على محاولة تجريع العالم، وفي المقدمة الفلسطينيون والعرب، سموم الاعتراف بإسرائيل كـ"دولة للشعب اليهودي". برغم أن هذا المطلب، ناهيك عن مطلب التطبيع العربي أولا، أي قبل تلبية الحد الأدنى من الحقوق العربية والفلسطينية، لا يقفز عن الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني فقط، بل وينتهك أيضاً اشتراطات قرارات الشرعية الدولية لحدود دولة إسرائيل والتطبيع العربي معها. الإشتراطات التي لخصها الكاتب عبد الفتاح القلقيلي، وفقاً للقانون الدولي على النحو التالي:

      أ-إذا انسحبت إسرائيل من أراضي غزة والضفة الغربية ما عدا القدس وبعض المستوطنات ومعسكرات الجيش، تبقى إسرائيل معتدية ومحتلة (حسب مقاييس اتفاق أوسلو وكافة القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية).

      ب-إذا انسحبت إسرائيل من كل أراضي غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ومناطق المستوطنات ومعسكرات الجيش، وعادت إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967، فإن إسرائيل تبقى معتـديــــة ومحتـلة لأجزاء من %52.4 من أراضي الدولة الفلسطينية وذلك حسب مقاييس الأمم المتحدة وخاصة قرار181 عام1947 الخاص بالتقسيم.

      ج-إذا انسحبت إسرائيل من كل أراضي الدولة الفلسطينية (حسب قرار181)، ولم تسمح بعودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم، تصبح إسرائيل غير محتلة، ولكنها تبقى معتدية، وذلك حسب مقاييس الأمم المتحدة وخاصة قرار194 الخاص بعودة اللاجئين وتعويضهم.

      د-إذا انسحبت إسرائيل من كل أراضي الدولة الفلسطينية (حسب قرار181)، وسمحت بعودة اللاجئين (حسب قرار194)، تكون إسرائيل غير معتدية وغير محتلة (وذلك بمقاييس القرارات والاتفاقات الدولية).

   ما دامت مطالب هذا الاتجاه السياسي الأيديولوجي، الذي يضطلع نتنياهو هذه الأيام بقيادته، غير قانونية حتى بمقاييس القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والصراع الناجم عنها، فكيف، وبأي حق، وبأي منطق، وعلى أي أساس، يجوز لنتنياهو، مطالبة الفلسطينيين، بصورة رسمية وعلنية، ومن على منبر الكنيست، الاعتراف بإسرائيل كـ"دولة للشعب اليهودي"، أي الاعتراف بتخليهم عن كامل حقوقهم الوطنية والتاريخية، مقابل تكرمه بالطلب من حكومته اتخاذ قرار بتجديد مؤقت لمسرحية "التجميد الجزئي والمؤقت للأنشطة الإستيطانية في الضفة الغربية"؟؟!!! هل هو فقط منطق المسكون بغطرسة القوة المسنودة من الولايات المتحدة كقوة دولية مهيمنة على السياسة الدولية وقرارات مؤسساتها؟؟!! وكذا، هل هو فقط منطق المأفون بقناعات عنصرية استعلائية، كان قد عبر عنها في كتابه (مكان تحت الشمس)، حيث قال: "بالقوة والضغط يرضخ العرب"؟؟!!

   كلا، إنه بالإضافة إلى هذا وذاك، منطق المأزوم المهووس بسؤال الإسرائيليين الحارق المفتوح حول:

ترى ما العمل تجاه القوة الموضوعية للديموغرافيا الفلسطينية، التي لم تستطع ستة عقود ويزيد من سياسة شن الحروب والتطهير العرقي الابتلاعي الاقتلاعي، من طمسها، ما يعني أن أزمة الفرضيات الأساسية للمشروع الصهيوني في تهويد فلسطين ما زالت قائمة، ذلك بالرغم من كل ما حققه هذا المشروع من نجاحات سياسية نوعية.

إن تسيُّد الاتجاه السياسي الأيدولوجي الذي يقوده نتنياهو في السياسة الإسرائيلية، رسميا وشعبياً، يشكل خطراً حقيقياً، إنما ليس على الشعب الفلسطيني وعموم شعوب المنطقة فقط، بل أيضا على مواطني دولة إسرائيل أنفسهم، ذلك أن الخطوط السياسية لهذا الاتجاه، تنطوي على إستهتار، يغذيه الخلط العامد المتعمد بين الواقع وتزييفه الأيدولوجي، ويريد من الآخرين، بل ومن ضحايا هذا التزييف، تصديق ذلك، والتصرف السياسي بناء عليه.

   ولعله من المفارقة بمكان أن يتزامن تأكيد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي على ضرورة التواضع وعدم الإستهتار بالعدو، كدرس أساسي من دروس حرب عام 1973، مع التصريحات السياسية العنجهية الإستعلائية لنتنياهو، الذي لا يفكر، ولو للحظة، أنه بذلك، إنما يكون كمن يتسلى، لا بمصير المنطقة وشعوبها فقط، بل أيضا بمصير مواطنيه الذين من شأن عنجهيته الإبقاء عليهم في حالة حرب دائمة ومفتوحة مع كتل ديموغرافية عربية وإقليمية هائلة، لا تقوى الديموغرافيا الإسرائيلية المحدودة على إرضاخها إلى ما لا نهاية.

   بهذه المفارقة، ألا يشبه تسلي نتنياهو بمواطنيه، سلوك نبلاء روما الذين كانوا يتسلون في مشاهدة لعبة استثارة أسد مِن قِبَلِ عبدٍ يصارعه، فيكون مصير العبد "يا مقتول يا مقتول"؟؟!!