تصدعات في حائط البيت الأبيض ../ مهدي الدجاني*

خلال الأيام الماضية، شهد محيط البيت الأبيض وغرف صناعة القرار المغلقة داخله تطورا خطيرا بتقديم رابع استقالة لمسؤول من ساكني قمة هرم القرار السياسي، عندما استقال جيمس جونز مستشار الأمن القومي. وتأتي استقالة جونز بعد أيام من استقالة رام إيمانويل رئيس فريق العمل الرئاسي. وكان قد سبق ذلك استقالة الجنرال ماكريستال في يونيو 2010. واستقالة الأميرال دينيس بلير مدير وكالة الاستخبارات من منصبه الذي شغله في كانون الثاني/ يناير 2009. والمثير فوق كل ذلك أنه تزداد مؤشرات قيام روبرت غيتس وزير الدفاع بمغادرة منصبه في نهاية العام.


أما عن استقالة دينيس بلير فقد كان سببها المعلن فقدان ثقة البيت الأبيض بكفاءته. على الرغم من ذلك، فقد استقر لدى محللين أن سببها الحقيقي الخلافات بين أجهزة الأمن وتبادل إلقاء اللوم عقب الإخفاقات الأمنية المتتابعة التي شهدتها الساحة الداخلية، وإخفاق الرئيس في حسم الخلافات وعدم وقوفه على مسافة واحدة من الأجهزة.
 

وأما عن استقالة ماكريستال، فقد سبقها مباشرة قيام الرجل بنشر مقال ساق فيه من عبارات الاستهزاء والسخرية من ساكني قمة الهرم السياسي الأميركي. وقد عبر ذلك عن وجود خلافات حادة بين عسكريين وعسكريين وبين عسكريين وسياسيين حول استراتيجية الحرب في أفغانستان.
وأما عن استقالة رام إيمانويل فقد كان سببها المعلن رغبة الرجل في خوض انتخابات بلدية شيكاغو التي يعدها قاعدة نشاطه. لكن ثمة رأيا آخر مفاده أن مهندس حملة أوباما الانتخابية قد أراد أن يقفز خارج السفينة قبل أن تغرق بفشلها في الانتخابات المجلسية التي أزفت والانتخابات الرئاسية التي اقتربت. أما عن استقالة جيمس جونز فقد تردد أن سببها تهميش أوباما للرجل والخلافات الحادة حول الاستراتيجية المتبناة في احتلال أفغانستان.


وأما عن استقالة روبرت غيتس المحتملة، فيتردد أن سببها كذلك إخفاق الجيش الأميركي والناتو في تحقيق الأهداف العسكرية الموعودة في أفغانستان. لعل الملاحظة الأولى التي نلاحظها أن هذه الاستقالات تتصل بمناصب شديدة الحساسية. فكل من هذه المناصب حجز زاوية في بنية الإدارة. وكل من هذه المناصب له دوره الخطير في السياسة الخارجية.


أما الملاحظة الثانية، فهي أن هذه الاستقالات تأتي في مرحلة انخفاض شديد لشعبية الرئيس الأميركي. كما تأتي في مرحلة تشهد قيام المنافسين الجمهوريين بتصعيدٍ شعبوي والتكشير عن أنيابهم لاستعادة المربعات التي خسروها.


أما الملاحظة الثالثة فهي أن هذه الاستقالات تأتي في مرحلة «تيه استراتيجي» و«تخبط عسكري» في أفغانستان تكاد معه تقترب مرحلة إعلان انهزام القوات الأميركية. ولنا أن نستحضر أن عسكريين أميركيين قد أخذوا يبتعدون عن الوعد بالنصر، ويكتفون بالتلويح بأن الجيش لن يخرج مهزوما من أفغانستان، وهو ما يعني أنهم يدركون أن الخيارين اللذين باتا متاحين هما الخروج دون هزيمة أو الهزيمة، وهو ما يعني انتهاء صلاحية خيار النصر.


أما الملاحظة الرابعة فهي أن مسلسل الاستقالات يأتي في مرحلة تراجع اقتصادي أميركي شديد. فها هي أصوات الصراخ تتعالى من جنبات البيت الأبيض وضواحي واشنطن تجأر بالشكوى من السياسة النقدية الصينية التي بات خبراء أميركيون يصفونها بأنها جزءٌ من «حرب عملات» قد أخذت رحاها تدور بين أحفاد العم سام وأحفاد العم ماو.


لعله يمكن الخلوص إلى نتيجة أساسية من جماع هذه الملاحظات مفادها أن الضعف قد أخذ يغشى إدارة أوباما.
لكل ذلك أثران أساسيان: أما الأول فهو أن حظ الجمهوريين في الانتخابات المجلسية سيكون أكبر من حظ الديموقراطيين. أما الأثر الثاني فهو أن حظ أوباما نفسه في انتخابات الرئاسة 2012 سيتراجع عن حظه في انتخابات 2008، فالرجل قد بات محتاجا لمعجزة كي يظل مستظلا بسقف البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى، فهو أشبه ما يكون بوضع جيمي كارتر في انتخابات 1980.