سؤال بعد فوات الأوان!!../ علي جرادات

سؤال بعد فوات الأوان!!../ علي جرادات

   أين هي خارطة حدود دولة إسرائيل؟؟!! هل هي خارطة الحدود التي أقرها لها القانون الدولي وفقاً للقرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين عام 1947؟؟!! أم هي خارطة حدود الهدنة عام 1949، أي حدود القرار 181، مضافاً اليها ما استولى عليه جيشها من أراضٍ في حرب العام 1948؟؟!! أم هي خارطة حدود الهدنة، مضافاً اليها توسعات لاحقة، أي ما باتت تعرف بخارطة حدود الرابع من حزيران 1967؟؟!! أم هي خارطة كامل مساحة فلسطين التي جرى توحيدها تحت الاحتلال بعد عدوان عام 1967؟؟!! أم هي خارطة كامل مساحة فلسطين (الإنتدابية)، مضافاً اليها ما جرى الإعلان عن ضمه، بعد الإستيلاء عليه، من أراضٍ عربية محاذية لفلسطين، (هضبة الجولان السورية)؟؟!! أم هي خارطة كامل مساحة فلسطين وهضبة الجولان، مضافاً اليها ما وصلت اليه بساطير الجيش الإسرائيلي من أراضٍ عربية محاذية لفلسطين، كما هو حاصل مع "القرى السبع" ومزارع شبعا اللبنانية؟؟!!  
  
   لم تكن هذه الأسئلة ضرورية، بل كانت زائدة عن الحاجة، طوال مرحلة إدارة العرب للصراع مع إسرائيل وفقاً لمقتضيات ومقاييس كامل الحقوق العربية، وجوهرها الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني، أي وفقاً لسياسة "لا صلح، لا إعتراف، لا مفاوضات"، بحسبان "ان ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
 
لكن هذه الأسئلة، فضلا عن كثير غيرها، أصبحت أكثر من ضرورية بعد، ومنذ، طي صفحة تلك المرحلة، والدخول في مرحلة القبول بمبدأ عقد التسويات، واعتبار ان "حرب عام 1973 هي آخر الحروب". بل إن طرح هذه الأسئلة بات ضرورياً، على الأقل، كأحد شروط الأداء التفاوضي السليم، الذي غاب بفعل بؤس التفاوض المنفرد الثنائي المباشر، تحت الرعاية الأمريكية أساساً، إنطلاقاً من ان "99% من أوراق الحل بيد أمريكا"، كسياسة دشنها السادات في أواخر سبعينيات القرن المنصرم، ورفضها في حينه باقي النظام الرسمي العربي، ثم عاد وتبناها كسياسة رسمية معتمدة منذ مؤتمر مدريد عام 1991.
 
   ومع ذلك، فإنه ما كان يجب إبرام أية معاهدات أو إتفاقات تنص على إعتراف طرف عربي بدولة إسرائيل قبل الإجابة على سؤال: أين هي بالضبط خارطة حدود هذه الدولة المراد الإعتراف بها، (قبل طرح موضوع يهوديتها أو عدم يهوديتها). وكان يجب قذف هذا السؤال في وجه قادة إسرائيل، وفي وجه كل داعميهم في مطالبة العرب والفلسطينيين الإعتراف بدولة إسرائيل. بل أكثر من ذلك، فإنه كان يجب عدم إقدام أي طرف عربي على إقامة أية علاقات تطبيعية، (علاقة غير عدائية)، في أقله، قبل إجابة قادة إسرائيل على هذا السؤال المفصلي.
 
   لقد تعمد قادة إسرائيل، منذ الإعلان عن قيامها وحتى يوم الناس هذا، عدم الإعلان عن تحديد خارطة حدود دولتهم، ما عنى، وما زال يعني، ترك هذه القضية مفتوحة لتقرر فيها تحولات واقع الصراع وموازين القوى من جهة، ونتائج سياسة العدوان وشن الحروب والتوسع وفرض الوقائع كسياسة ثابتة من جهة ثانية، عملاً بمبدأ بن غوريون القائل: "إن حدود دوله إسرائيل، هي حيث تصل قدم الجندي الإسرائيلي"، ذلك بإفتراض أن من شأن هذه السياسة أن تخلق واقعا سرعان ما يُعترف به. وفي أقله، تتم المساومة عليه في مراحل عقد التسويات.
 
 وقد عبَّر يغئال آلون عن ذلك في مشروع "للتسوية"، كان قد تقدم به بعد شهر على هزيمة عام 1967، وطوره لاحقا في عام 1976، بالقول: "فلو أن "إسرائيل" سمحت لجيشها عام 1949 باحتلال كامل الضفة الغربية لما كان يخطر ببال أحد الآن ان يدّعي ضد حق "اسرائيل" بالبقاء في المدينة القديمة او الخليل او نابلس".
 
   إن إفتراض يغئال آلون بمقدار ما يعكس عقلية خرافية تعج بالغطرسة والعنجهية والشعور بالتفوق، كان قد غذاها، ورفعها إلى مستوى "الأسطورة" النجاح المبهر لعدوان عام 1967، فإنه يفصح عن أحد أهم مقتضيات قيام دولة إسرائيل على حساب الشعب العربي الفلسطيني. وفي هذا يقول أرسكين شليدر في كتابه "تهويد فلسطين": "إن الإستيلاء على الأرض وطرد السكان ليس ناجماً عن طبع شرير عند اليهود، بل هو مِن مقتضيات إقامة الكيان الصهيوني الذي ما كان ليقوم إلا بأرض أكثر وعرب أقل".
 
   لكن، أظن، وكما يرى آخرون، ومن بينهم كثير من الإسرائيليين، أن مفاجأة حرب العام 1973، كانت قد هزت يقين قادة إسرائيل بهذا الإفتراض، وفي أقله، هزت التعامل معه كأمر بدهي. ولعل في إقدام بيغن على إعادة سيناء لمصر دليل أكيد على هذا الإهتزاز، خاصة وأن بيغن، مثّل رمزاً للتطرف والعقائدية، إلى درجة وقوفه ضد بن غوريون، ومحاولة مواجهته عسكريا، إثر قبول الأخير بالقرار الدولي 181 القاضي بتقسيم فلسطين، بحسبان أنها "الأرض الكاملة للشعب اليهودي".
 
   عليه، وبرغم الدخول في مرحلة إعتبار "حرب عام 1973 آخر الحروب"، ألم يكن ممكناً توسيع إهتزاز يقين قادة إسرائيل بالإفتراضات الأساسية، وغير الواقعية، لمشروعهم؟؟!!
 
   بلى، لقد كان ذلك ممكناً حتى بدون العودة الى مرحلة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، لو أن النظام الرسمي العربي، خاض مرحلة عقد التسوية بعد حرب 1973 موحداً على مطلب ضرورة الإنسحاب الشامل من كامل الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة، ورفض الإقدام على إبرام أية معاهدات أو إتفاقات تنص على الإعتراف والتطبيع، قبل إجابة قادة إسرائيل، ومن يدعمهم، على سؤال: أين هي خارطة حدود دولة إسرائيل؟؟!! ذلك لأن تناسي هذا السؤال، عنى فيما عنى، تمكين قادة دولة إسرائيل من التعامل مع الأراضي العربية المحتلة كرهينة، جرى، وما زال يجري، المساومة عليها، لقاء كسب الإعتراف بدولتهم والتطبيع معها قبل، ومن دون، تحديد حدودها، أي بالقفز عن، وقبل، الإقرار بالحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني، ولو في حدها الأدنى، أي كما نصت عليها قرارات الشرعية الدولية.
 
   إن تناسي وتغييب هذا السؤال المفصلي، وعقد المعاهدات والإتفاقات وعمليات التطبيع قبل، ومن دون، أخذ الإجابة عليه، قد ساق الأمور الى تقديم النظام الرسمي العربي إعترافاً وتطبيعا قبل الأوان، ودون حسبان أن قادة إسرائيل سيبنون على هذا الإعتراف، ويطالبون باستكمال الإعتراف بدولتهم بإعتبارها "دولة للشعب اليهودي". وبالتالي، فإن الرد على هذا المطلب الجديد اليوم، بسؤال، ولكن أين هي خارطة حدود الدولة المراد الإعتراف بها؟؟!! إنما هو سؤال يأتي بعد فوات الأوان.