للخروج من مصيدة الوهم والواقعية../ كلوفيس مقصود

للخروج من مصيدة الوهم والواقعية../ كلوفيس مقصود

صار لزاماً علينا جميعاً أن نعي أن التمدّد الاستــيطاني لا يعـالج مطــلقاً بطــلب التجميد، بل بصياغة الردّ المعقول والمطلوب والمشروع.

ثمة بوادر تحرك سياسي وفكري في كثير من أوساط الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، ويتميز هذا المخاض بالبحث عن بدائل ناجعة لإنجاز حلول جذرية تؤمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. تسود قناعة بأن «مسارات السلام» التي أرست قواعدها اتفاقيــات أوسلو وما بعدها، أدّت إلى قناعة بأنها أجهضت بالتدريج الكثير من هذه الحقوق، على الرغم من الاعتراف الدولي بأن هذه الحقوق شرعية، ومنسجمة مع القوانين الدولية، وبالتالي غير قابلة للتصرف.


فمسارات السلام منذ أوسلو تبدو واضحة، بأنها بدلاً من أن تنجز وإن بالتدرج الحقوق الفلسطينية، فإنها أدت إلى المزيد من تآكلها وإفقادها المناعة، رغم إصرار الشعب الفلسطيني من خلال صموده مدعوماً بالشعب العربي والشعوب الإسلامية ودائرة الضمير العالمي، على إنجاز هذه الحقوق.


هذا التحرك هو بمثابة عملية استعادة لاتجاه البوصلة وعقلنة للتــوجّه وتأمين للوحدة الوطنية الفلسطينية، وتوفير المرجعية الموحّدة لعملية التحرير، بمعنى آخر ما هو حاصل من خلال استرجاع البوصلة هو إدانة واضــحة للفشل والسقوط في مصيدة أوسلـو، كما هو تعبير واضح عن ضرورة إنــضاج وبلـورة مقاومة مصممة على التحرير وإنجاز الحقوق المشروعة.


...
إلا أن هذا السعي لاسترجاع مرجعية النضال الفلسطيني يطرح بدائل تستوجب عملية نقدٍ للذات وللأداء السابق في حصر التعامل مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، لكون ما تصوّرته القيادة الفلسطينية الحالية بأن الولايات المتحدة وحدها قادرة على ممارسة «ضغط» على "إسرائيل" يفتقد الدقة، ذلك أن «إسرائيل» بدورها قادرة على القيام بضغط مقابل على الإدارة الأميركية سياسياً وعملياً، ما يؤكد قدرة «إسرائيل» وبالتالي اللوبي "الإسرائيلي" على ممارسة الابتزاز، حتى عندما تكون الإدارة الأميركية مقتنعة بصوابية موقف فلسطيني معي.

 
يستتبع ذلك، أن القيادة الفلسطينية الحالية استمالتها مفردات مثل «تجميد الاستيطان» حتى الموقت منه، بدلاً من وضوح المطالبة بتفكيك الاستيطان الذي اعتبر من بعض أعضاء القيادة الفلسطينية بأنه "خارج الواقعية" السائدة. كما أن السقطة التي ارتكبت هي أن «المفاوض الفلسطيني» لم يصرّ في البدء على أن ينتزع بدوره أو بحصر تعامله مع الإدارة الأميركية، اعترافاً من "إسرائيل"  بأنها في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي سلطة محتلة، وكون هذا التعريف لواقع "إسرائيل" في الأراضي المحتلة كان ملتبساً في أحسن الحالات، فقد أدى إلى إمعان "إسرائيل" في اتخاذ خطوات في بعض الأحيان بطيئة وفي أكثر الأحيان متسارعة ومكثفة.


ففقدان القاعدة القانونية بأن التــفاوض هو مع محتل تحوّل إلى محادثات مع مغتصب. المراجعة النقدية الصارمة المطـلوبة الآن تستوجب التوقف الكامل، واتخاذ مواقف صريحة تشترط وضوحاً أميركياً بأن الأراضي الفلسطينية المحتلة هي قانونياً محتلة وأن المرجعية هي قيادة حركة تحرير بالمعنى الحقيقي، وأن استعمال التجميد هو بمثابة شراء الوقت لتأجيل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبالتالي إجهاض أية مفاوضات ناجعة يمكن أن تستولد نتائج، تلبي ما فرضته الشرعية الدولية، وما حددته القوانين الدولية للشعب الفلسطيني من حقوق في أرضه وحق لاجئيه في العودة، واعتبار القدس الشريف عاصمة له.


بمعنى آخر، عودة إلى بديهيات حوّلتها «إسرائيل» وكأنها "تنازلات"، ولذلك صار لزاماً علينا جميعاً أن نعي أن التــمدد الاستيطاني الذي تمّ التعبير عنه في الأيام الأخيرة ببناء ستمئة وحدة استيطــانية لا يعـالج مطـلقاً بطلب التجميد، ولا بطلب التفكيك بل بصياغة الردّ المعقول والمطلوب والمشـروع بأن قانون العودة «الإسرائيـلي» هو الــذي مهّد ولا يزال يمهد للتمدد الاستيطاني المتواصل منذ نشوء «دولة إسـرائيل»، وأن هذا القـانون هو الذي يدفع "إسرائيل" للمطالبة بأن يعترف الفلسطينيون والعرب بكون «إسرائيل» دولة يهودية ووطناً للــشعب اليــهودي، والذي ينطوي بدوره على سياسة مأسسة التمييز العنصري ضد العرب في "إسرائيل" وكذلك الأمر بالتمهيد لعمليات الترحيل المستقبلية وإعدام كامل لأي حق للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم.


فالاعتراف بـ«إسرائيل» دولة ليهود العالم كما تصر كشرط مسبق للتعامل معها هو بدوره إغلاق الباب نهائياً أمام حق العودة وفتح الأبواب أمام الاستمرار في التمدد الاستيطاني في الأرض التي لا نعرف فيها الحدود التي يتوقف عندها الاستيطان.


وقبل استفحال هذا المشروع الصهيوني والبحث في البدائل المطروحة آنياً من قبل طلائع فلسطينية فكرية، تبقى الأولوية لردع هذا التمادي وهذا التسلط وهذه الاستباحات التي تقوم بها «إسرائيل» بشكل متواصل، وبدلاً من الضغط عليها، فإنها تطــلب المزيد من المساعدات الأميركية العسكرية المتطورة مثل طائرات F 35 التي قيل إنها تشكل ضمانات أميركية لحث «إسرائيل» على تجميد الاستيطان لمدة شهر (!)
ألهذا المستوى انحدرت مسيرة السلام؟
ألهذه الدرجة عجزت الدول المطبعة عن «إقناع» «إسرائيل» كما كان «موعوداً»؟
أليس هناك من حاجة لدى هاتين الدولتين المطبّعتين وبعض الدول التي تبدو «راغبة في علاقات ما» أن تعيد النظر بموقفها حتى لا يبقى الشعب الفلسطيني محاطاً بسياج من التطبيع، وبالتالي مطالباً بالتكيف والقبول ببعض المساعدات الإنمائية على حساب اجتزاء حقوقه القومية، أو بالأحرى إجهاضها؟


لذلك أمام هذا الاستفزاز الفاقع ليس للحقوق الفلسطينية فقط بل أيضاً للكرامة العربية، هل يجوز أن نبقى في مصــيدة الواقعية الطاغية التي تسوقها لنا الوعـود التي تمعن في بعثرة الأمــة العربــية وتفتيت مجتمــعاتها؟ ألم يصبح لزاماً أن يساهم العرب جميعاً في إخراج شعب فلسطين من المصيدة الخـانقة التي هو فيها؟ وإذا قام بحراك باتجاه مجــلس الأمن أو أعلن دولة مسـتقلة ألا تستــطيع الأمة العــربية وجامعتها تأمين اعتراف شامل بهذه الدولة وأن يصدر عن مجلس الأمن قرار بكيانها القانوني، وأن يقنع العرب من خلال المواقف الدبلوماسية الشجاعة والإعلام العربي المكثف الولايات المتحــدة والإدارة الأمـيركية بأن لا تمارس حق النقض هذه المرة لأن «إسرائيل» ممعنة في شطب فلسطين من الخارطة ونحن على حافة مثل هذا الخــطر؟ لعل من دون إعلان استقلال الدولة الفلسطينية ووحدتها مع شرعنة دولية غير قابلة للانتقاص بالقدس الشرقية على الأقل عاصمة لها وبحق العودة إذا بقينا في حالة التردد والتفسخ سوف نبقى عرضة للتدرج في التخلي عن حقوقنا وأن تدفعنا الواقعية المزوّرة إلى واقعية قد يصعب الخروج منها بسهولة.


الآن لحظة الحقيقة وهي واضحة وقابلة للصيرورة. الآن هناك ضــرورة لقــطع العلاقات مع «إسرائيل» وفرض المقاطعة الاقتــصادية عليــها وعودة فلســطين نقطة الارتــكاز لاستعــادة شعــورنا بأن العرب من دون فلسطين هم على ما هم عليه ومع فلســطين نستـعيد قدرة النهضة والوحدة. أرجــو أن لا يكون هذا سراباً أو مجرد أمنية بل اقتراح قابل للإنجاز.