العنصرية وجرائم الحرب: عقلية مريضة واحدة../ خالد خليل

تقرير ويكيليكس الذي كشف في صفحاته ال 400 الف أعتى جرائم الحرب في القرن الحادي والعشرين على أيدي "حماة الدمقراطية" في أمريكا والغرب المتنور، هو بمثابة وثيقة عالية القيمة والأهمية لإدانة الإدارة الأمريكية رئيسًا ووزراء وقادة عسكريين وسياسيين بوصفهم مسؤولين مباشرين عن أي جريمة ارتكبها أي جندي أمريكي مهما كانت رتبته بحق العراق وأهل العراق.
 
الجرائم التي أوردها التقرير لم تحدث بفعل خطأ إنساني هنا وهناك، بل هي مقترفات يندى لها الجبين من شدة شراستها ووحشيتها، وتعبّر بالمطلق عن ثقافة نسجها ورسمها ووضع أسسها الغرب الاستعماري الذي يستند إلى عقلية استعلائية مريضة عممها حتى تغلغلت في نفوس جنوده صغارًا كانوا أم كبارًا.
 
هذه العقلية الاستعلائية المريضة سمة طبيعية لأي استعمار مهما تغنى بالديمقراطية  وحقوق الإنسان، وهي مصطلحات لا تستخدم الا جزافًا للاستهلاك والتمويه، وهي تعبير عن أعلى مراتب الفكر العنصري بكل مشتقاته ومسمياته.
 
بعد تقرير ويكيليكس تنتفي الحاجة لمطلب تقصي الحقائق ولجان التحقيق ولا يبقى أمامنا وأمام كل صاحب ضمير في العالم سوى مطلب واحد ووحيد هو محاكمة مجرمي الحرب جنودًا وضُباطًا وقادة سياسيين وعسكريين، وعلى رأسهم بوش ورمسفيلد وديك تشيني وقائمة طويلة من المسؤولين الأدنى مرتبة وموقعًا. خاصة وان الشهادات جاءت من داخل امريكا وليس من جهة محايدة.
 
حتى القيادات الإسرائيلية وغلاة العنصريين عبروا عن ذهولهم ومفاجآتهم من هول الجرائم التي سردها التقرير الى درجة استخدامه (أي التقرير) من أجل تخفيف وطأة الإدانة الموجَهة لهم بارتكاب جرائم الحرب في غزة مِن قِبل تقرير غولدستون.
 
لقد اعتبر الإسرائيليون جرائمهم سهلة بالمقارنة مع جرائم الأمريكيين. وقد يكون صحيحًا أنّ الجرائم الإسرائيلية أصغر حجمًا من تلك التي نُفذت في العراق وافغانستان، لكن البشاعة والفظائع هي ذاتها والعقلية العنصرية نفس العقلية وهي قادمة من نفس المدرسة، مدرسة الاستعمار والنهب والتدمير. وكما قال الصحفي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس هذا الاسبوع، يجب ملاحقة مجرمي الحرب ومعاقبتهم في اسرائيل كما في امريكا.
 
تقارير الإدانة فرصة ثمينة يجب أن لا تهدر، واذا كان النظام العربي الرسمي بما في ذلك السلطة يسعى الى تهميشها ويغلب عليها العملية السياسية والمفاوضات المشبوهة، فلأنّ هذا النظام الرسمي لا يستطيع الخروج عن طاعة أسياده.
 
إنّ منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والمعارضات السياسية في الأقطار العربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتحمل مسؤوليتها في وضع موضوع ملاحقة مجرمي الحرب والعنصرية على رأس سلم أولوياتهم إلى أن تصبح هذه المطالب شعبية وعامة ومنظمة في المنطقة والعالم. ويجب أن تحمل المسؤولية عن جرائم الحرب إلى القادة السياسيين قبل القادة العسكريين والدعوة جهارًا إلى محاكمة بوش ورامسفيلد وتشيني ونتنياهو وباراك وليبرمان وموفاز وليفني وأولمرت ومن يليهم بالمراتب والمسؤوليات.
 
المطلوب في هذه المرحلة مواجهة الفكر العنصري والثقافة العنصرية والممارسات العنصرية بثقافة التحرر وحقوق الإنسان والدمقراطية الحقيقية ومقاومة الظلم والاحتلال بديلاً عن الدمقراطية المزيفة لإسرائيل وامريكا والسائرين في فلكهما، وبديلاً عن ثقافة القتل والدمار والجريمة.
 
الجماهير الفلسطينية في الداخل لم تسلم يوما من هذا الفكر العنصري الذي أصبح ثقافة سائدة في المجتمع الاسرائيلي وأسلوبا طاغيا للمؤسسة الأمنية الاسرائيلية. ورأينا بأم اعيننا كيف تصرفت الشرطة ومجموعات المستعربين داخل ام الفحم الأربعاء الماضي أثناء قدوم مارزل وعصابته للتظاهر الاستفزازي على مداخل المدينة. الشرطة تحرشت عمدا بالجمهور والقيادات العربية وأطلقت الرصاص عمدا وأمطرتهم بقنابل الغاز. ولكي لا يحاكم المعتدون كانوا مجهزين بأقنعة تخفي وجوههم ما يعبر عن مدى وحشية وظلامية هذا الجهاز الذي يجسد الحقيقة العنصري والقمعية للدولة. وما يزيدنا إصرارا على المواجهة.