أمثولة الساحات الثلاث ../ د. عصام نعمان


جورج بوش، ومن ورائه أمريكا، ضد الإسلام. هو في حرب مع الإسلام منذ أحداث 11/9/2001 ما أسماه “الحرب على الإرهاب” هو في واقع الأمر حرب على الإسلام. فالإرهاب والإسلام عنده مترادفان.

أطلق بوش أوصافاً متعددة على الإسلام. وصفه مرةً ب “الإسلام الراديكالي” ومرة أخرى ب “الإسلام الفاشي”. وكي لا يترك مجالا للاعتقاد إنه يميّز بين فرق الإسلام والمسلمين قال منذ أيام بالفم الملآن إن “المتطرفين الشيعة والسنّة يمثلان وجهين مختلفين للخطر ذاته الذي يهدد الغرب”.

قد يقول قائل إن الرئيس الأمريكي يتحدث عن المسلمين المتطرفين ويعاديهم، لكنه لا يتناول المسلمين المعتدلين ولا يستعديهم. هذا هو ظاهر الحال. أما حقيقة الأمر فهي أن معارضي سياسة أمريكا الممالئة للصهيونية بين المسلمين هم الأكثرية الساحقة. وهؤلاء، في عرف بوش و”المحافظين الجدد”، هم متطرفون لمجرد أنهم معارضون. يكفي أن يعتبر بوش المعارضين متطرفين يستحقون العداء والقهر حتى يحرج أصدقاءه بين المعتدلين، فكيف الحال وهو يطالب أصدقاءه بين هؤلاء بالانقضاض على المعارضين، بدعوى أنهم متطرفون، وضربهم حتى حدود السحق؟

إنه لأمر مؤلم ومحزن أن يوحد بوش وأعوانه نظرتهم إلى المسلمين فيعتبرونهم بمختلف مللهم ونحلهم وأقطارهم وأمصارهم مسلمين متطرفين، ولا يوحد المسلمون رغم ذلك نظرتهم إلى إدارة بوش وسياساتها الخرقاء في الساحات الثلاث، لبنان وفلسطين والعراق، ناهيك بسوريا وأفغانستان والسودان. فالمسلمون “المعتدلون”، لاسيما من بينهم الحكام، مصرون على تمييز أنفسهم عن “المتطرفين” وبالتالي ممعنون في ملاطفة أمريكا ومداراتها ومجاراتها في مواقفها تجاه “المتطرفين” لدرجة يبدون معها، من حيث يريدون أو لا يريدون، كأنهم حلفاء أوفياء لها في السراء والضراء.

لنأخذ لبنان مثلا. لقد بات أمراً مسلّما به أن أمريكا أوعزت إلى “إسرائيل” بشن الحرب عليه أو، على الأقل، أعطتها الضوء الأخضر، وشجعتها على تدمير إنسانه وعمرانه على امتداد البلاد كلها، ورفضت دعوة مجلس الأمن لإصدار قرار بوقف النار، وامتنعت رغم مناشدات دول عدّة، عربية وإسلامية وأوروبية وآسيوية، عن الضغط على “إسرائيل” لرفع حصارها الجوي والبحري عنه. ومع ذلك لم تصدر عن رئيس حكومة لبنان كلمة واحدة في نقد سياسة إدارة بوش، حتى لا نقول في مهاجمتها، بل على العكس يتصرف الرئيس فؤاد السنيورة وكأن بوش وكوندوليزا رايس وجون بولتون هم معقد الرجاء وواسطة الخلاص والصديق عند الضيق. بل إن الملاطفة والمداراة والمجاراة بلغت لدى حكومة لبنان حدّ تقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد “إسرائيل” لامتناعها عن رفع الحصار من دون دعوة المجلس المذكور إلى الانعقاد للنظر فيها بدعوى توفير الحرج على أمريكا فلا تضطر إلى استخدام حق النقض (الفيتو) كرمى لعيني “إسرائيل”!

في فلسطين تستمر حملة “إسرائيل” الدموية على قيادات المقاومة وكوادرها دونما تفريق، فتغتال يومياً بواسطة المروحيات أعداداً من هؤلاء، ولا توفّر في هذا السياق مجاميع من المدنيين، أطفالاً ونساء وشيوخا. وظنّ بعض السذج ممن تنطلي عليهم أكاذيب إدارة بوش أن التركيز على واقعة فوز “حماس” بأكثرية في المجلس التشريعي عبر انتخابات ديمقراطية من شأنها أن تليّن موقف أمريكا من حكومة إسماعيل هنية، خاصة إذا وافقت “حماس” على قيام حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها سائر المنظمات. ماذا كانت النتيجة؟ صعّدت حكومة إيهود أولمرت، بموافقة إدارة بوش، حملتها على “حماس” بأن اعتقلت دزينة أو اثنتين من نوابها ووزرائها بمن فيهم رئيس المجلس التشريعي ونائب رئيس الحكومة ولم توفر قائد حرس الرئيس محمود عباس. كل ذلك وسط حصار محكم على قطاع غزه يستهدف بلا رحمة الناس والغذاء والدواء والنقل والانتقال، ناهيك بالأجور والرواتب. ولا يتوانى بعض السذج عن التبرع برأي حصيف مفاده أن المشكلة برمتها تنتهي بمجرد أن يخلي المتطرفون مقاعد السلطة ومقاليدها للمعتدلين.

في العراق، يضع جيش الاحتلال، ومن ورائه بطبيعة الحال إدارة بوش، العراقيين جميعا في سلة واحدة ويسومهم مرّ العذاب. وما إشارة بوش الأخيرة إلى أن “المتطرفين الشيعة والسنّة وجهان للخطر ذاته” إلا الدليل الناطق على أن إدارته الحمقاء تعادي الجميع وتُمعن في تصعيد الحرب ضدهم بطرق شتى ليس أقلها الحرب المذهبية والتمييز العرقي (بين عرب وكرد وتركمان) ناهيك بالقتل المنهجي للمدنيين الأبرياء.

بدلاً من أن يستيقظ أهل الحل والعقد بين العرب والمسلمين “المعتدلين” من سبات ركونهم لسياسة إدارة بوش ومداراتهم لها نجدهم سادرين في طمأنينة ساذجة لعهودها ووعودها بل أحيانا لمواقفها الفظّة من القضايا والمطالب المحقة. صحيح أن العرب والمسلمين الذين تصنفهم إدارة بوش “متطرفين” ليسوا معنيين بأن يحددوا للحكام المعتدلين ما هو في صالحهم ومن صلب مصلحتهم، إلاّ أنهم معنيون، دونما شك، بانعكاس مواقف هؤلاء، لاسيما من سياسة إدارة بوش، على حقوق الأمة ومصالحها بصورة عامة وعلى حقوقهم ومصالحهم وأحيانا على مصائرهم بما هم أي “المتطرفون” فريق وازن إن لم يكن فريق الأكثرية الساحقة في الأمة. إلى متى سيبقى “المعتدلون” سادرين في مداراتهم ومجاراتهم لسياسات إدارة بوش الحمقاء المعادية للأمة جمعاء، بكل أطيافها وأطرافها وشرائحها ومطامحها؟

إذا كان ثمة أمثولة نستخلصها من مجريات الساحات الثلاث، فلسطين ولبنان والعراق، طيلة نصف قرن ونيف فهي أن أمريكا تضعنا “متطرفين” و”معتدلين” في سلة واحدة، وإن أذاها يصيبنا جميعاً، وأن لا سبيل إلى وقف انحيازها السافر إلى “إسرائيل” بفعل أسباب ثقافية عضوية واعتبارات أمنية استراتيجية ومصالح نفطية وازنة في الحاضر والمستقبل.

إلى متى التعامي عن هذه الحقيقة الساطعة؟

قال عمرو موسى قبل شهرين إن عملية السلام قد انهارت برمتها لأن أمريكا سلّمتها طيلة الفترة الماضية إلى “إسرائيل”. وقال منذ أيام إن الدول العربية ستعرض على مجلس الأمن خلال الشهر الجاري القضية العربية أملاً بإحياء عملية السلام على أسس جديدة وعادلة. حسناً، هل نعطي أنفسنا، خاصة المعتدلين بيننا، فرصة أخيرة لتحديد موقف صارم من أمريكا في ضوء ما سيكون عليه موقفها من قضيتنا عندما تُعرض قريبا على مجلس الأمن؟

هل نضعها على المحك، مدةً وجيزة جداً، نقرر بعدها فوراً وبلا إبطاء موقفاً تاريخياً واستراتيجياً من سياستها، يحفظ الحق والكرامة والفعالية معاً؟

أما لليل العُرب آخر؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018