أوروبا والهوية الأمنية المستقلة../ د.محمد السعيد إدريس

على الرغم من أن القضية الأمنية تلعب دوراً رئيسياً ومحورياً كدافع لتجميع الدول لمواجهة أخطار مشتركة فإن هذا الأمن ذاته يمكن أن يكون دافعاً للافتراق، وربما إلى ما هو أكثر من الافتراق بين دول جمعتها منظومة أمنية جماعية مشتركة عندما يدرك أحد الأطراف، أو أكثر، اختلال توازن المصالح في هذه المنظومة الأمنية.

هذه الحقيقة تصدق الآن على العلاقات الأمنية الأوروبية الأمريكية ابتداء من انتهاء الحرب الباردة. لقد كانت نهاية هذه الحرب دافعاً للأوروبيين للبحث عما سمي ب”هوية أمنية أوروبية مستقلة”. والاستقلال هنا ليس له غير معنى واحد هو الاستقلال عن الأمن الأمريكي من خلال حلف شمال الاطلسي الذي يمثل هوية أمنية مشتركة أمريكية - أوروبية. كانت هناك أسباب ثلاثة لهذا التوجه الأوروبي الأمني المستقل:

الأول، انتهاء الحرب الباردة وانتفاء الخطر السوفييتي، واندفاع دول وسط وشرق أوروبا الى اللحاق بقاطرة الاتحاد الأوروبي والقبول بكل مطالب التكيف الهيكلي سياسياً (الديمقراطية) واقتصادياً (اقتصاد السوق والخصخصة) كشروط أوروبية لدمج هذه الدول في الاتحاد الأوروبي.

الثاني، الوعي بأن الأمن الجماعي الأوروبي يمكن أن يكون أداة محفزة ومعجلة للوحدة الأوروبية بعد تحول الجماعة الأوروبية إلى الصيغة الاتحادية والطموح إلى التحول من الصيغة الاتحادية إلى صيغة الوحدة، إذ لا يمكن الحديث عن وحدة أوروبية من دون وجود أمن أوروبي مستقل.

الثالث، إدراك التحولات الخطرة في الفكر الاستراتيجي الأمريكي التي جاءت مصاحبة لانتهاء الحرب الباردة وعلى الأخص ذلك النزوع الامبراطوري الأمريكي والسعي الى استبدال نظام القطبية الثنائية السابق (الأمريكي - السوفييتي) الى قطبية أحادية أمريكية مهيمنة، وهو توجه يتعارض تماماً مع طموحات أوروبا في أن تكون طرفاً في قيادة جماعية مشتركة للنظام العالمي.

هذا الإدراك تطور من مجرد هاجس إلى خطر حقيقي بعد تسريب صحيفة “نيويورك تايمز” لتقرير خطير أعدته لجنة متخصصة في البنتاجون حدد خمس مهام أساسية يجب أن تقوم بها الولايات المتحدة لضمان زعامتها المنفردة للعالم. وقد احتلت أوروبا أولوية كبيرة في هذا التقرير من خلال استحواذها على البندين الأول والثاني.

لقد نجح الأمريكيون في احتواء الغضب الأوروبي وسعوا إلى تطوير أداء حلف شمال الأطلسي ليقوم بمهام جديدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لكن تفجر أزمة الدرع الصاروخية الأمريكية التي يسعى الرئيس بوش إلى إقامتها في بولندا وتشيكيا في مواجهة روسيا، والرفض الروسي القوي لهذه الدرع، وخطر تفجر حرب باردة جديدة فرض على أوروبا أن تعيد النظر مجدداً في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وأن تسعى مجدداً إلى طرح مسألة الهوية الأمنية الأوروبية المستقلة.

الموقف الألماني وقبله الموقفان الفرنسي والإيطالي المؤيدة للموقف الروسي يكشف ملامح وعي أمني أوروبي مستقل. رئيس وزراء بافاريا ادموند شتويبر الذي التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب عودة الأخير من زيارته الخاصة للولايات المتحدة قال عقب هذا اللقاء ان اقتراحات موسكو الخاصة بالدرع الصاروخية تلبي متطلبات الأمن الأوروبي.

وقال أيضاً ان السيناريوهات المحتملة لتطور الموقف باتت محصورة في احتمالية: إما أن تستمر واشنطن في عنادها وإصرارها على تنفيذ خطة نشر الدرع الصاروخية التي تهدد بتدهور حاد في العلاقة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، أو تقبل بالتعاون على أساس الاقتراح الروسي القاضي بفتح محطات الإنذار المبكر الروسية في أذربيجان وفي جنوب روسيا أمام خبراء البلدين للتعاون في مواجهة الأخطار المشتركة.

هذه بداية أوروبية ربما تتطور حسب تطورات الموقف الأمريكي لتعيد إحياء مطلب الهوية الأمنية الأوروبية المستقلة، وعندها يمكن الحديث عن القوة الأوروبية المتحررة من الهيمنة الأمريكية، وعندها يمكن أن تتحدد معالم نظام عالمي جديد في ظل طموحات روسية وصينية وهندية رافضة لنظام القطبية الأحادية الأمريكية.

"الخليج"