أوشفتس: التضامن مع ضحايا اليهود أم مع المشروع الصهيوني؟!/ عوض عبد الفتاح

في أوائل الثمانينات، ومن خلال عملي في صحيفة الفجر الصادرة باللغة الإنجليزية في القدس المحتلة، وكـّلت بزيارة متحف „لوحمي هغتؤوت” شمال مدينة عكا الذي يعرض صورًا وقصصًا عن أهوال النازية بحق اليهود.
كنت مثل كل الشباب المتحمسين وطنيًا، وما زلت، كارهًا للصهيونية وجريمتها الكبرى بحق شعبنا، ولكني لم أكن متساهلاً أبدًا إزاء جرائم هتلر والنازية ضد اليهود وغيرهم. كانت المرة الأولى لدخولي متحف تخليد ضحايا النازية من اليهود.
لا شك أن الوقوف للمرة الأولى أمام كم هائل من الصور ومشاهد الإبادة تجعل الإنسان يقف مذهولاً ومصدومًا إزاء درجة الانحدار التي يمكن أن يصل اليها الإنسان، حتى لو كان يدعي التحضّر مثل الإنسان الأوروبي.
وبعد أن قمت بجولة في المتحف، طلبت من مدير المتحف مقابلته بعد أن عرفته أنني محرر في جريدة فلسطينية تصدر بالإنجليزية. سرعان ما تحولت المقابلة إلى لقاء ساخن، خاصة بعد أن طرحت عليه أسئلة عن موقفه من المأساة الفلسطينية. لم يكن مستعدًا أن يعترف أن إسرائيل مسؤولة عن نكبة شعب فلسطين بل حمّل شعبنا مسؤولية المذبحة، رغم أني أعربت له عن مشاعري وعن صدمتي لما رأيته من مشاهد الإبادة.

لم يؤثر غضبي على هذا المسؤول الإسرائيلي لإنكاره نكبة شعبي. وعندما كتبت التقرير ونشرته في الصحيفة استهليته بانطباعاتي وبالتعبير عن مشاعري الإنسانية الجياشة وإدانتي للجريمة الهتلرية وعن تعاطفي مع الضحايا اليهود. طبعًا أدرجت بالتقرير موقف مدير المتحف المتنكر لنكبة شعبنا ولوجود تمييز عنصري ضد المواطنين العرب في الداخل.

هذه هي حقيقة الموقف الإسرائيلي الرسمي الذي يمثله السياسي والأكاديمي ورجل الشارع – طبعًا باستثناء نسبة قليلة جداً من الإسرائيليين الذين ينسجمون مع القيم الكونية – المساواة والعدالة والحرية.

وبطبيعة الحال فإن هناك سببها آخر لكره الفلسطيني للنازية أي بالإضافة الى تعاطفه الإنساني مع ضحايا النازية، يدرك الفلسطيني أن النازية كانت ايضًا سببًا في تسريع إقامة المشروع الصهيوني في وطنه.

فهل نحتاج لأن نثبت لجلادنا أننا لدينا مشاعر إنسانية وأننا لسنا عنصريين فقط من خلال الذوبان في مشهد مصمم إسرائيليًا وصهيونيًا؟!


في مقال للناقد والروائي الإسرائيلي المعادي للصهيونية يتسحاق لاؤور، نشره في أوائل التسعينيات تحت عنوان „العربي المهرج” تطرق فيه الى نهج المؤسسة الإسرائيلية في اختيار العربي في برامج ومناسبات اسرائيلية كزينة بهدف تسويق أفكار المؤسسة. وقد عرف عرب الداخل شخصيات عربية اسرائيلية عديدة استخدمت لهذا الغرض، وكانت هذه الشخصيات بدون تاريخ سياسي وطني أو معارض للمؤسسة الإسرائيية، أو لنقل من خارج التيارات العربية المناهضة والفاعلة ضد السياسات الإسرائيلية.
وبطبيعة الحال كان هذا النهج السلطوي من ضمن وسائل السيطرة على عرب الداخل – السيطرة على وعيهم. أو بهدف إعادة هندسة وعيهم وعقلهم بحيث يذوتون الواقع المفروض بروح القاهر.

الجديد في الأمر هو أن بعض العرب ممن يفترض أنهم محسوبون على التيار المناهض للمؤسسة الإسرائيلية ومخططاتها ضد عرب الداخل، يختارون هم أنفسهم بأن يكون زينة في المشهد الإسرائيلي، ويتطوعون بمحض إرادتهم ليؤدوا هذا الدور. صحيح أن هؤلاء لا يهدفون الى خدمة الدعاية الصهيونية ويعلنون أنهم يريدون أن يعبروا عن إنسانيتهم ويثبتوا أن هناك أشخاصًا من الفلسطينيين، وحدهم، لديهم مشاعر إنسانية تجاه ضحايا النازية.

لقد وضع التجمع، وبالتأكيد قوى وطنية أخرى، معايير للعمل السياسي-الوطني داخل الخط الأخضر. وقد نختلف فيما بيننا على بعض هذه المعايير. ولكن هناك قضايا لا يجوز الإختلاف عليها، إذ يتحول الى سقطات سياسية مدمّرة للوعي الجماعي.

الخروج مع وفد كنيست يميني، وبطلب من رئيس الكنيست الليكودي، رؤوبين ريفلين، الى زيارة معسكر أوشفتس في بولونيا كما فعل رئيس الجبهة بركة، هو خارج معايير العمل الوطني في الداخل لعدة أسباب:
أولاً: إن استغلال كارثة اليهود وألمانيا على يد الحركة الصهيونية أصبح مفضوحًا وممقوتًا من جميع القوى الديمقراطية المناهضة للصهيونية والإحتلال. وحتى من قوى وشخصيات يهودية ليبرالية، وأخرى مناهضة للصهيونية.

ثانيًا: لا يجوز لعربي أن يكون ضمن وفد صهيوني لا يعترف بنكبة شعب فلسطين، بل ما زال أعضاؤه جزءًا عضويًا من ماكنة القمع والقتل والحصار والنهب لشعب جرى اقتلاعه وتهجيره والقضاء على كيانه على يدّ من يتاجر بالمحرقة. التذرع بمعارضة قوى يمينية متطرفة رافضة لمشاركة عربي هو ليس مقياسًا لأن هؤلاء ضد كل ما هو عربي.

ثالثًا: لأن هذا الوفد الصهيوني ومن ورائه الحركة الصهيونية وإسرائيل، ليس هدفهم في الأساس استدرار العطف والتعاطف مع اليهود وأحفادهم بل التعاطف مع المشروع الصهيوني في فلسطين – مع نظام الأبارتهايد القائم في الضفة والقطاع والزاحف الى داخل الخط الأخضر وابتزاز المزيد من الأموال والدعم العسكري لتغذية ماكنة القتل الإسرائيلية وتأييد الصراع.

ثالثًا: إن الأجيال الفلسطينية داخل الخط الأخضرتدرس عن كارثة اليهود في ألمانيا وعن رواية إقامة إسرائيل، منذ عام 1948 وذلك ضمن منهاج مفروض من الدولة العبرية. في حين أن رؤية الشعب الفلسطيني ونكبته غائبة تمامًا. أليس من الأجدر بدل المشاركة في وفود التلميع والزينة، تسليط الأضواء في الداخل والخارج على هذا التغييب المنهجي الذي هدف ويهدف الى تغييب شعب بأكمله.

تنبع أهمية هذا النقاش من كونه أنه جزء من النقاش الجاري في صفوف عرب الداخل وحركاتهم الوطنية منذ عقود حول أي نهج سياسي وأية مقاربة أقرب الى التوازن في ظل الواقع المركب. والأكثر انسجامًا مع كونهم قضية وطنية وليس قضية مواطنة فحسب.

لا يمكن أن يكون الإلتحاق بوفد صهيوني ويميني متطرف جزءًا من النهج السليم. بل أنه جزء من نهج بائد تعرض للنقد الشديد وتجاوزته منجزات عرب الداخل في مجال الهوية الوطنية والإنتماء. فهل نعود الى الوراء بعد كل هذا المشوار الطويل.