إحذروا تداعيات القادم من الأيام../ لؤي شبانه*

بينما يحتدم النقاش في تفاصيل الأزمة الراهنة وتجاذب المواقف السياسية وشبه السياسية والاقتصادية وشبه الاقتصادية، وانشغال الجميع أفراداً وجماعات فصائل وحركات وطنية وإسلامية في إثبات ونفي الصبغة السياسية و/أو المطلبية لإضراب الموظفين تحديداً والأزمة الراهنة بشكل عام إن كانت مطلبية أم تآمرية، يسير الفلك الفلسطيني بمجمله نحو واقع جديد سوف لن يكون مشابهاً للواقع الفلسطيني قبل الأزمة الراهنة، فبينما ينشغل الجميع في التفاصيل اليومية التي تغرقنا جميعاً، لا نجد عيناً منتبهة على الأثر الطويل المدى على القضية الفلسطينية والمشروع الوطني، سواء كان هذا المشروع بثوابت كاملة أو بشبه ثوابت أو ربما بدون ثوابت وطنية.

المسألة في تقديرنا أخطر بكثير مما نستطيع استيعابه بقدراتنا الذاتية، وبغض النظر عن صحة وقانونية وأحقية المواقف المختلفة فالأكيد هو أن المجتمع والشعب والإنجازات الفلسطينية أصبحت في خطر، في حال وجدنا معجزة ما لإخراجنا من واقعنا المرير على الصعيد المجتمعي والصعب على الصعيد الاقتصادي والمخزي على الصعيد السياسي والإنساني.

وفي هذه العجالة دعونا نستعرض مجالات النزف التي نعاني منها كأمة لها مقدرات وتتميز بنقاط قوة وطاقات كامنة على المستوى السياسي والاقتصادي والمجتمعي والمؤسساتي.

اقتصادياً، تشير الإحصاءات إلى تراجع مستمر في الأداء الاقتصادي وفي مؤشرات الاستثمار، وهذا في أحد جوانبه بسبب تعزز القناعات بأنه لن يكون في هذا الوطن على المدى المتوسط أو البعيد مناخاً استثمارياً سواء بسبب الفلتان الأمني أو التجاذب السياسي أو بسبب الاحتلال. وفي هذا المضمار نشير إلى أن عاملاً إضافياً أدخل في هذه الأزمة عن سابقاتها وهو العمل المتعلق بالحالة الفلسطينية الداخلية والحراك الجاري بين ثناياها دونما اتجاه واضح المعالم، فجميع الأزمات السابقة كان سببها الرئيسي والمباشر هو الاحتلال، لذلك كان هناك هامشاً لاستنهاض العامل الوطني في قرار الاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني، إلا أننا تقريباً فقدنا هذا الهامش ولن يعود من السهل تغيير الإنطباعات والقناعات بشأن البيئة الاستثمارية في الأراضي الفلسطينية. هذا بالإضافة إلى تراجع الاقتصاد المحلي المترافق مع ارتفاع الطلب على فرص العمل، والذي تزامن مع التراجع عن خطة الانطواء الإسرائيلية الإحادية الجانب التي نفذ منها الجانب المهم لإسرائيل وهو جدار الضم والتوسع بينما جمد الجانب المفيد (ولو كان قليلاً) للجانب الفلسطيني وهو الانسحاب من مراكز المدن والتجمعات السكانية.

سياسياً، سيصعب علينا إعادة تشكيل الإئتلاف العربي والإقليمي والدولي الداعم للقضية الفلسطينية والذي بدأ بالتفكك نتيجة لتفكك الخطاب الفلسطيني والتوجهات الفلسطينية، ولن يمر وقت طويل قبل أن تصبح القضية الفلسطينية عاملاً أو مدخلاً مملاً على موائد النقاش السياسي والذي سرعان ما سيفقد أهميته في خضم الصراعات والمشكلات الإقليمية والدولية، لا سيما بعد أن أصبحت القضية الفلسطينية إنسانية وإعانات ورواتب. وهنا نؤكد أنه بينما لن تفقد القضية الفلسطينية الأهمية إلا أنها ستفقد سمتها العاجلة في النقاش السياسي لا سيما وأنه لا يوجد شريك فلسطيني واحد فلكل توجهه وشريكه الخاص ولكل دولة أو مجموعة شريكها.

أما على الصعيد المجتمعي، فالمجتمع الفلسطيني يتجه نحو ارتفاع ملحوظ في معدلات الجريمة وارتفاع ملحوظ في هجرة الشباب لا سيما الكفاءات الشابة ولنا أن نتخيل كيف سيكون الوضع بعد عدة شهور من استفحال الفقر وارتفاع معدلات البطالة والاحتقان الداخلي والمراوحة في ذات المكان وعدم التقدم في أي اتجاه، فأطفالنا في الشوارع محبطون وشبابنا بلا عمل أو أمل وكهولنا يتصارعون على مواقع جوفاء. وهذا بطبيعة الحال سيقودنا إلى نزف في أهم طاقاتنا ومصادر قوتنا وهم الشباب المتعلم المتسلح بالأمل. ولنا أن نتخيل من سيبقى في هذه البلاد إذا استمر الوضع الراهن.

وأما على صعيد المؤسسات، فالذي يجري في البلاد عملية إضعاف متواصلة يساهم الجميع بها سواء بقصد أو بدون قصد، فمؤسسات القطاع العام بدأت بالتحلل قبل أن يطرح على موائد النقاش موضوع حل السلطة، وهنا يجب الإشارة إلى أن قرار حل السلطة يبقى (بغض النظر عن جدواه) قراراً سياديا، بينما التحلل هو نتيجة للفوضى وعدم الانتظام وضعف التخطيط وغياب الإدارة وغياب النضج في القرارات وردات الفعل وهذا مع الأسف حال القطاع العام. أما المجتمع المدنى فهو أيضاً ضعيف وغير منظم وارتجالي في كثير من المجالات.

نحن نعيش حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية والإدارية لم نشهدها من قبل. وبغض النظر عن مسببها وبغض النظر عن المسئول عن إيقافها، فالنتيجة أن الطوفان سيأخذنا جميعاً إلى الهلاك إذا لم نستدرك الأزمة ونجد مخرجاً من هذه الظلمة الحالكة التي نرجو الله أن لا تكون طويلة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018