إسرائيل وسياسة "الإحراج المنهجي للاعتدال العربي"../ عريب الرنتاوي

ليست صدفة أبدا، أن يتزامن الاجتياح الدامي لرام الله مع موعد انعقاد القمة المصرية الإسرائيلية في شرم الشيخ، فقادة إسرائيلي وزعماؤها، لطالما ارتكبوا أفظع الجرائم في تزامن لافت مع لقاءاتهم مع القادة العرب، ولعل أبرز الشواهد على هذه "السياسة" تزامن العملية الإجرامية ضد مفاعل تموز العراقي في قلب بغداد مع قمة مصرية إسرائيلية مماثلة، وتزامن الاغتيالات الإسرائيلية لقادة حماس ومن بينهم الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي مع قمم إسرائيلية – أردنية.

الرسالة الإسرائيلية الكامنة وراء هذه التوقيتات المشبوهة واضحة كل الوضوح، ومفادها أن إسرائيل راغبة في تمتين أواصر التعاون مع "معسكر الاعتدال العربي" إلى درجة بناء الأحلاف والمحاور، بيد أنها ليست مستعدة أبدا لتقديم أي تنازل جدي نظير هذا التعاون أو كثمن له، ولقد لاحظنا كيف تراجعت حكومة أولمرت عن التزامها بالهدنة وكشفها عن قرار بناء مستوطنة جديدة في الضفة الغربية بعيد ساعات من القمة الأردنية – الإسرائيلية الأخيرة، ومن قمة عباس - أولمرت.

الاجتياح الإسرائيلي لرام الله المتزامن مع قمة مبارك – أولمرت لم يأت بجديد يذكر سوى المزيد من الإحراج للقيادات العربية المعتدلة، وأحسب أن الرئيس المصري شعر بالحرج الشديد وهو يتلقى التقارير عن الاجتياح تباعا، في الوقت الذي كان قمته مع أولمرت مكرسة للبحث في كيفية "دعم السلطة والرئاسة" و"تمكين محمود عباس"، فالعملية الإسرائيلية في قلب رام الله، مقر الرئاسة ومعقل السلطة والمجال الحيوي لفتح، والأهداف المطاردة نشطاء من كتائب الأقصى التابعة لهذا الفريق الفلسطيني، فأي دعم هذا الذي ينشده العرب من أولمرت لعباس أو لفتح أو للسطة؟.

حتى مبلغ المائة مليون دولار، التي تكرّم بها أولمرت على عباس في قمته الأخيرة معه، تحتاج على ما يبدو لموجة جديدة من القمم مع القادة العرب لضمان سيلانها في عروق السلطة المتيبسة، بعد أن يكون نصيب الأسد منها، قد اقتطع لصالح الشركات الإسرائيلية الدائنة للفلسطينيين نظير خدمات الكهرباء والماء والاتصالات والطاقة.

المشهد ذاته يتكرر منذ سنوات، وبالأخص منذ صعود اليمين الإسرائيلي إلى السلطة خلال السنوات السبع العجاف الفائتة، وليس منتظرا أبدا أن تستيقط القيادة الإسرائيلية الحالية على "حاجتها الموضوعية" لتدعيم معسكر الاعتدال العربي، بل سيظل هذا المعسكر عرضة لإحراجات متكررة عند كل محاولة سيبذلها لإطلاق عملية السلام أو تعزيز صفوف المعتدلين الفلسطينيين، وليس مستبعدا أبدا أن يتكرر المشهد ذاته مع عواصم "اعتدال" عربية أخرى لها ثقل إقليمي معنوي ومالي كالسعودية التي أرسلت أكثر من إشارة عن نيتها ولوج غمار عملية السلام والاتصال وحتى التطبيع مع الدولة العبرية من دون أن تلقى الاستجابة اللائقة من جانب سلطات الاحتلال والاستيطان.

ثمة خيار آخر لم يجربه العرب حتى هذه اللحظة، نطق به تقرير جامعة تل أبيب عن التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، حين تحدث عن تآكل القدرة الردعية لدولة الاحتلال بفعل المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين، وأحسب أن "انتفاضة" في الموقف السياسي الرسمي العربي باتت مطلوبة، كما بات مطلوبا أيضا، ولأسباب عدة، وقف الحصار المضروب على المقاومة الفلسطينية واللبنانية للاحتلال الإسرائيلي، حتى لا نقول الانخراط في عمل مقاوم مباشر، فأضعف الإيمان أن تشعر إسرائيل بأن لتعنتها وصلفها واستهتارها بالمواقف والمصالح والمشاعر العربية، ثمناً لا بد أن تدفعه، فهل نطالب بالكثير؟!..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018