إسرائيل ومطلب الاعتراف الفلسطيني../ محمد خالد الأزعر

يختلف الفقه القانوني حول ما إذا كان الاعتراف بالدولة منشئاً لها أم إنه مُقرر لوجودها. هناك من يقول إن الأصل هو تمتع الدولة بالشخصية الدولية بمجرد استقرار عناصرها الاساسية، الشعب والسلطة والاقليم، وذلك بغض النظر عن الاعتراف بها من عدمه، لكن بعض الفقهاء يعتقد أن شخصية الدولة تبقى من دون الاعتراف ناقصة، ويذهبون الى أن الاعتراف منشئ ومقرر في الوقت ذاته، ويتساءل هؤلاء عن الكيفية التي ستتفاعل بها دولة ما مع محيطها الاقليمي والدولي، في عالم شديد التواصل والاعتمادية المتبادلة، إذا لم يتوفر لها حد معقول من الاعتراف على هذين الصعيدين.

والحق أن عدم الاعتراف غالباً ما يؤشر الى موقف سلبي وربما عدائي تجاه الدولة المقصودة بهذا الاجراء، وفي حالات بعينها، يتأسس هذا الموقف على موجبات وأسباب بالغة الحدة والصلابة، تصل الى التشكيك في أحقية الدولة في الوجود ومنازعتها حول أحد أهم مقوماتها الرئيسة، كالإقليم الذي تستحوذ عليه وتدعيه لنفسها. المقاربة العربية بعامة والفلسطينية بخاصة لقضية الاعتراف بإسرائيل تبدو وثيقة الارتباط بمثل هذه الموجبات والاسباب. فطالما استبطنت هذه المقاربة الاعتقاد بأن إسرائيل ليست أكثر من كيان أو تجمع استيطاني نشأ وارتقى بالقوة العارية والمدد الخارجي على أرض لا يمتلكها، ومع أن هذا الكيان يستحوذ على المكونات الشهيرة الثلاثة للدولة، إلا أنه يعاني من الغياب الكامل لعنصر أو مقوم رابع هو «الاحقية التاريخية» في الاقليم الذي ينهض عليه.

هذا التصور وما يرتبط به من اعتقاد وسلوك فعلي، جوهره أن حجب الاعتراف العربي طويلاً عن إسرائيل، كان مزعجاً لهذه الاخيرة لكن ليس الى درجة اعتباره مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، ذلك بالنظر الى التصدع البنائي العام الذي لحق بأحوال المدعي الاساسي بالحق التاريخي والقانوني المضاد، وهو الشعب الفلسطيني. لعشرات السنين تطلعت اسرائيل للاعتراف العربي بها والتطبيع معها، غير أنها أرادت هذا الهدف بشروطها ومارست حياة الدول مع غير العرب بمعزل عن هذا الاعتراف، وفي هذا الإطار ذاته، خاضت اسرائيل على مدار الثلاثين عاما الاولى بعد اعلانها حروباً مع الدول العربية، كما اقترفت اعتداءات واحتلالات وقامت بانسحابات وأبرمت هدنات عبر وساطات ومفاوضات غير مباشرة، حدث هذا وغيره قبل اعتراف اول دولة عربية بها وتوثيقه عام 1979.

وقوع هذه الظواهر، ينفي فكرة أن الاعتراف العربي منشئ لإسرائيل. الأقرب للفهم أن هذا الاعتراف كان وما زال مطلوباً لتقرير وجودها وتعزيزه، وتخفف عواصم كثيرة في عوالم الآخرين من الاعباء والقيود التي ألقاها عليها موقف عدم الاعتراف العربي وهي تحاول التعامل معها، والأهم أن الاعتراف العربي كان من شأنه وما زال المشاركة في كبح تطور الحقيقة الفلسطينية وتقييد الفلسطينيين ولجم طموحاتهم ودعاواهم المضادة على طول الخط لوجود اسرائيل. ولأن الدول العربية اضطلعت بعمليات الكبح والتقييد هذه طويلاً حتى في ظل سياسة عدم الاعتراف، فإن إسرائيل لم تحفل كثيراً بهذه السياسة. لنلاحظ مثلاً كيف صدر القرار 242 من دون نص صريح على الاعتراف المتبادل بين الدول العربية واسرائيل، وكذا من دون الاستطراد ولو تلميحا الى قضية التطبيع. ونظن أنه لو تطرق القرار الى الأبعاد السياسية للقضية الفلسطينية لكان لإسرائيل مع مسألة الاعتراف العربي بها شأن آخر.

لقد تحدث القرار 242 عن «حدود آمنة ومعترف بها» وعن تسوية لـ «قضية اللاجئين»، ويقيناً فهمت اسرائيل أن تحقيق هذين الهدفين يلغي ضمنياً تأثير سياسة عدم الاعتراف العربي بها، إذ أين هو النقيض المباشر لوجودها على الأرض التي يدعوها البعض فلسطين؟ بمعنى أنه سواء اعترف العرب أم لم يعترفوا بإسرائيل، فإنها تبقى الحقيقة الدولية الوحيدة على هذه الأرض.

نزعم في كل حال أن الانشغال الإسرائيلي بقضية الاعتراف العربي، ثم التأكيد على الاعتراف الفلسطيني بشكلٍ استثنائي، قد تناسبا طردياً مع اتجاه الحقيقة الفلسطينية السياسية والمسلحة المقاومة الى التطور والتبلور، والانبعاث في الرحاب العربية والاقليمية والدولية، فبفعل هذا الاتجاه أضحى على إسرائيل التمييز بين صراعاتها مع الدول العربية التي تندرج في التحليل الاخير في باب الخلافات الحدودية أو السياسية «المألوفة»، وبين صراعها مع شعب يدعي عليها بحقوق تاريخية وقانونية ضاربة تمتد الى وجودها ذاته، أضحى عليها بصيغة أخرى استحضار سيناريو نشأتها الأولى وما ارتبط بها من خطايا وعيوب خلقية.

لا يبالغ كثيراً من يعتبر أن الاعتراف العربي بإسرائيل أقرب كما أشرنا الى مدرسة التقرير وبمثابة توسيع لآفاق الحركة أمام هذه الدولة، فيما يعد الاعتراف الفلسطيني، سواء كان عاماً ونهائياً وساطع الوضوح، أميل الى مدرسة الانشاء. انه ابو الاعترافات جميعها قياساً بغيره، لقد مضى الزمن الذي كان فيه هذا الاعتراف أمراً ثانوياً لا تبعأ إسرائيل به، ذلك حين كان الشعب الفلسطيني نسياً منسياً وعند بعض القادة الاسرائيليين مثل غولدا مائير «لا وجود له»، وقتذاك ما كان عقلانيا ولا منطقيا ان ينشد هؤلاء ودولتهم اعترافاً من قومٍ لا كينونة لهم ولا وزن لكلمتهم! أما وقد استجمع الفلسطينيون أمرهم وصارت لهم أنساق مؤسسات، كالتي للدول، وحصلوا على اعترافات بوجودهم ومطالبهم إلا قليلاً منها، فقد بات على إسرائيل أن تشدد الضغوط عليهم ليعترفوا بها، لأن اعترافهم هذا فيه صك البراءة الأعظم لكينونتها بالمعنيين التاريخي أولاً والقانوني ثانياً.

على هذا المضمار تبدي إسرائيل حساسية عالية الى درجة مثيرة ربما للسخرية، فهي لا تكتفي باعتراف منظمة التحرير، الممثل الشرعي الوحيد، وإنما تعمد الى تحصيل الاعتراف من كل قوة او فصيل أو حركة أو تيار ينتمي للفلسطينيين ويشتغل في حقل السياسة، داخل النظام الفلسطيني وخارجه، ما استطاعت الى ذلك سبيلاً، كما انها على خلاف سلوكها مع الدول العربية المعاهدة لها، تتخذ من هذا الاعتراف وتجديده شرطاً، واجب الالتزام العلني والاشهار على الملأ، قبل شروعها في أية خطوة حوارية أو تفاوضية صغرت أم كبرت مع أي قطاع فلسطيني رسمي أو أهلي. هذا امر ظاهر جداً مع حركة «حماس» قبل وصولها للسلطة وبعده.

الدول الواثقة من نفسها لا تفعل ذلك عادة، وللقائلين بأن الحوار أو النقاش أو التفاوض لا يستقيم إلا بين أطراف تعترف ببعضها البعض، ندفع بأن عكس ذلك جائز ومنطقي ايضاً، لاسيما في الحالة الاسرائيلية الفلسطينية، حيث التكاسر يدور على قضايا فارقة بالنسبة إلى حدود الوجود والعدم. ان قوى فلسطينية كثيرة ليست حريصة على اعتراف إسرائيل بها، وتستطيع إسرائيل أن تتخاصم مع هذه القوى وتحتكم الى الشرعية الدولية، عندئذ سينشأ كيانان: اسرائيل وفلسطين في حدود أمنة ومعترف بها، وقد لا تكون ثمة حاجة للاعتراف المتبادل بينهما. لقد أشرنا الى أن القرار 242 استأنس بهذا الفهم في علاقة الدول العربية باسرائيل، فلمَ لا يُعمل بالتقليد ذاته بين اسرائيل وفلسطين؟

انه لأمر غريب وشاذ حقاً أن تُصر اسرائيل على اعتراف الفلسطينيين بها، بينما هي تحتل أرضهم. وغريب حقاً أن الدولة القوية التي تسعى الى كأس الجدارة بقيادة «الشرق الاوسط» تشتاق الى اعتراف من هذا القبيل. نحسب أن كلمة السر في هذه الاحجية تتعلق بصك البراءة من عبء النشأة الاسرائيلية الأولى، كما نحسب أن الفلسطينيين والحال كذلك، الرافضون منهم لشرط الاعتراف المسبق بالذات، يملكون ورقة قوية لا ينبغي لهم التفريط بها بسهولة.


"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018