إفشال "حماس" هدف أميركي إسرائيلي وعلى "فتح" الإبتعاد عنه!/خالد الحروب

خسارة «فتح» على الصعيد الحزبي في الإنتخابات الفلسطينية كانت مفاجأة، لكن خسارتها على الصعيد الوطني متوقعة. ستحدث تلك الخسارة اذا أصرّت «فتح» على موقف الإستنكاف عن مشاركة «حماس» في أي حكومة إئتلافية أو شكل تشاركي للسلطة. مثل هذا الموقف يعني الإنخراط، وبلا مواربة، في السياسة الإسرائيلية والأميركية الهادفة إلى محاصرة «سلطة حماس» وإفشالها، ومعاقبة الشعب الفلسطيني لأنه أنتخبها.

جوانب كثيرة من المأزق متعدد الاوجه الذي وجدت «حماس» نفسها فيه هي من نواتج سياسة «فتح» في الاعوام العشرة الأخيرة أو أكثر. الفوضى الأمنية، الفساد، إتكالية الإقتصاد الفلسطيني على المساعدات، تضخم الجهاز البيروقراطي، السقف السياسي المنخفض الذي تعود عليه العالم وصار يُطالب الفلسطينين بالإنحناء تحته، وغير ذلك كثير. وبصراحة أكثر، الخراب الفلسطيني الذي تتسلمه «حماس» اليوم هو نتيجة سياسة «فتح» وعملها حتى أمس.

لم تستطع «فتح» إصلاح ذلك الخراب بسبب صراعاتها الداخلية الطاحنة، وتعدد مراكز القوى والقيادات والأجهزة. أما وجود «حماس» الآن فربما يكون فرصة حقيقية لحركة «فتح» كي تساهم في الإصلاح بعيداً عن صراعات القوة والنفوذ التي أجهضت مشروعها.

تدرك «فتح» طبعاً حاجة حماس إليها الآن، وتعلم أن مشاركتها لـ «حماس» يسهل على الأخيرة مهمتها خارجياً وداخلياً. وتدرك «فتح» ويدرك الجميع أيضاً أن «حماس» ستواجه صعوبة حقيقية في المضي قدماً إذا قررت «فتح» أن تعوقها بغية إفشالها. لكن تستطيع «حماس» في نهاية المطاف أن ترمي دلال «فتح» خلف ظهرها وتسير إلى الأمام مستندة إلى تفويض شعبي كاسح، وبمؤازرة مستقلين وقوى واسعة في الداخل والخارج. في هذه الحال ستراكم «فتح» خسارة وطنية كبرى فوق خسارتها الحزبية. وإذا ما أشتد الحصار على سلطة «حماس» من الخارج، أميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً، فإن شعبيتها ستزداد. ومشاركة «فتح» في الحصار على «حماس» عن طريق الداخل سيزيد من خساراتها وسقوطها في عيون الشعب الفلسطيني. ففي نهاية المطاف نحن لا نتحدث إلا عن أربع سنوات هي فترة ولاية المجلس التشريعي، وستمر بأسرع مما تتوقع «فتح» و»حماس». والسؤال الذي يجب أن تطرحه «فتح» على نفسها هو الآتي: ما هو شكل الفشل الذي تتمناه وتتوقعه لـ «حماس» ويكون مفيداً لها في الدورة المقبلة من الإنتخابات؟ هل هو فشلها في إستجلاب المساعدات الشهرية من الخارج؟ والتي إن لم تأت فإن الفلسطينين لن يسامحوا كل من ساهم في محاربتهم في لقمة عيشهم، بمن فيهم «فتح». هل هو فشلها في أن تجري مفاوضات طويلة ولا معنى لها مع إسرائيل؟ وهي المفاوضات التي أدت إلى خسارة «فتح» نفسها.

على «فتح» أن تواجه حقيقة مرّة لا تقل مرارة عن خسارتها في الإنتخابات: وهي ان ليس هناك شكل لفشل «حماس» في السنوات الأربع المقبلة يمكن أن تستثمره «فتح» كي تفوز. أمضت «فتح» والسلطة أكثر من أثنتي عشرة عاماً من عمر أوسلو من دون أن تقرّبا حلم مشروع الدولة الفلسطينية الحقيقية المستقلة إلى واقع الفلسطينين. ولن يضير «حماس» أن تضيع أربع سنوات إضافية، هذا بافتراض أن إسرائيل لن تعتمد سياسة الإنسحابات من طرف واحد ومن دون تنسيق مع «حماس».

خلال الاربع سنوات المقبلة ستنضج «حماس» أكثر، وتختمر خبراتها السياسية، وتصقل كوادرها وسياسيها والمستقلين المؤيدين لها في بوتقة العمل السياسي العام والمباشر. وعندما يحين موعد الإنتخابات المقبلة ستكون شهيتها للسلطة قد إزدادت، ولن تعود زاهدة فيها كما هي الآن. عندها ستخوض الإنتخابات على قاعدة الخبرة التي إمتلكتها، وستخطط للفوز مجدداً، كما لم تخطط هذه المرة. على «فتح» أن تتعقل الحقيقة المرة الأخرى التالية: إذا فازت «حماس» كل هذا الفوز الكاسح وهي لم تخطط له ولم تتوقعه، فكيف ستكون الحال إن خططت للفوز وأستثمرت الدعاية والإعلام وموقعها في السلطة؟

«فتح» هي مؤسسة المشروع الوطني الفلسطيني، وهي صاحبة الرصاصة الأولى، وتاريخها النضالي الطويل أختلط بتاريخ فلسطين نفسه خلال نصف القرن الماضي، وهي أسست لحال لا ينتقص منها إلا غير المنصفين، وفي الواقع لا تحتاج الى شهادة من أحد. قدمت ألوف الشهداء الذين صاروا أعلاماً على طريق طويل من الكفاح، وقدمت عشرات الألوف من الأسرى الذين أفنوا زهرات شبابهم من أجل مشروع التحرير. تمكنت من صوغ رؤية سياسية وطنية تقوم على أولوية التحرير على الأيديولوجيا، وبها تغلغلت في وجدان الفلسطيينين لعقود طويلة. لم تتبن عقيدة فكرية صارمة، أو أيديولوجيا تفرزها على مفرزة اليسار الواضح أو اليمين الواضح، فتفوقت على الأثنين في واقع فلسطيني مهموم بالإحتلال الإسرائيلي أكثر بكثير من إنهماكه بالسجال الفكري. لكن «فتح» التي خسرت الإنتخابات اليوم ليست «فتح» الأمس. صارت منهمكة في الفئوية والحزبية والمصالح الشخصية، ولم تعد تشبه «فتح» التي محضها الشعب الفلسطيني حبه وثقته. وهي الآن تدفع الثمن. عليها أن تستوعب الدرس وتراجع حساباتها، وفي نصب عينيها مصلحة فلسطين. أما أن تجنح الى اعتماد سياسة ثأرية وكيدية من «حماس» بأمل إفشالها فهي لن تحصد سوى مزيد من الخسارات. قد تُفشل «فتح» «حماس» لكنها ستغرق معها، ويلحق بهما ما تبقى من مشروع وطني فلسطيني.

يريد الاسرائيليون والأميركيون والأوروبيون أن يلقنوا الشعب الفلسطيني درساً في «حسن الإختيار»، وذلك عن طريق تضييق الخناق المادي والسياسي عليه عقاباً على إختياره الديموقراطي. كل خطوة عملية سيقومون بها ستعزز من وضع «حماس» في الداخل. الغباء المشترك في السياسة الاسرائيلية والأميركية والأوروبية يمنع هذه الأطراف من إدراك حقيقة هي ألف باء السياسة في المنطقة العربية، رضينا أم غضبنا، وهي أن محاصرة أي طرف عربي، سواء أكان دولة أم منظمة، من جانب السياسة الغربية والإسرائيلية هي جواز المرور لأوسع قدر متخيل من التأييد الشعبي. كلما حوربت «حماس» إسرائيلياً وأميركياً وغربياً كلما قويت شعبياً. كلما حوربت سورية إسرائيلياً وأميركياً وغربياً كلما قويت شعبياً. هذا المعادلة البسيطة هي التي تفسر الشعبية الهائلة التي تمتع ولا يزال يتمتع بها دكتاتور باطش مثل صدام حسين.

إذا وضعت «فتح» يدها في الحرب الإسرائيلية - الاميركية الغربية ضد «حماس» سيراها الفلسطينيون طرفاً عميلاً بعيداً عن وجدانهم. أما إذا تحملت مسؤولياتها الوطنية برجولة وشجاعة وتشاركت مع «حماس» في حمل المسؤولية فإنها ستعود تدريجاً إلى «فتح» التي يعرفها الفلسطينيون.

بوجود «فتح» و»حماس» في سلطة واحدة ولمدة أربع سنوات قادمة ستتاح فرصة ربما تكون تاريخية لمحاولة صوغ برنامج وطني فلسطيني مشترك يتوافق عليه الشعب الفلسطيني ممثلاً بأهم قوتين فيها وأكثرها نفوذاً. وفرصة لصوغ شرعية فلسطينية جديدة ممثلة للواقع الفلسطيني الحالي. و»حماس السلطة» مهيأة أكثر بكثير من «حماس المعارضة» لأن تعطي لبعدها البراغماتي أقصى إمتداداته، والفلسطينيون سيتفهمون براغماتية «حماس»، ومناوراتها ومراوغاتها كي تخفف الحصار عليها وتقلل من الضغوط عليهم بسبب فوزها بقيادتهم. لا يزال رأسمال حماس السياسي كبيراً، وهي لم تنفق منه إلا الشيء القليل. سيتسامح الشعب الفلسطيني مع كثير مما قد يبدو تغيراً في مواقفها، وهو تغير لن يبلغ ما حدث من تغيرات في مواقف «فتح» والتي على رغم إنعطافاتها الحادة ظل الشعب الفلسطيني واثقاً فيها (من البرنامج المرحلي 1974، إلى الإقرار بمبادرة القمة العربية في فاس 1981 التي تضمنت إعترافا ضمنيا بإسرائيل، إلى إعلان الدولة الفلسطينية سنة 1989، وصولاً إلى توقيع أوسلو عام 1993). كل تلك المحطات أفلتت بها «فتح» من غضب الشعب الفلسطيني بسبب رأسمالها السياسي الطويل. لكن سرعان ما بددته في سنوات ما بعد أوسلو. السنوات الأربع المقبلة لن تخفض من رأسمال «حماس» ما خفضته السنوات الطويلة لمسيرة «فتح» من منتصف السبعينيات حتى الآن.

بدل أن تغرق «فتح» في تسيّس صبياني إنتقامي من «حماس» لا سبب له إلا حسن أداء الأخيرة في الإنتخابات وفوزها به، عليها أن تفكر إستراتيجياً ووطنياً بمآلات مثل هذا التسيّس وإنعكاساته. وعليها أن تعيد تعريف نفسها وفق الوقائع الجديدة على الأرض، فهي لم تعد القوة الأولى والمتفردة بالسيطرة على القرار الفلسطيني، والسياسية الفلسطينية. ولم يعد بإمكانها أن تسترخي على وهم الشعبية والتجذر في شرائح الشعب الفلسطيني. فقد ولدت أجيال، وماتت أجيال، وسارت مياه كثيرة تحت جسور كثيرة. كما عليها أن تقلل من مراهناتها على النظام الدولي الذي أعطاها تأشيرة دخول حرم منها حتى الآن حماس. فتلك التأشيرة قد تكون لغما ينفجر في حضنها إن أساءت إستخدامه. إذا استمرت في إستخدام خطاب تخويفي للشعب الفلسطيني بأن وجود «حماس» على رأس السلطة يعني مقاطعة العالم للفلسطينين، فإن الشعب الفلسطيني الذي يعلم أن «العالم» المقصود هنا هو الولايات المتحدة وأوروبا سيُستثار أكثر ويؤيد «حماس» أكثر.

وفي نهاية الأمر ستجد «حماس» شقوقاً هنا وهناك في جدار النظام الدولي، ومن المؤكد أنها بحكومة إئتلافية تكنوقراطية تستفيد من خبرات آلاف الكوادر الفلسطينية في الداخل والخارج، ستدير حقبة السنوات الأربع التالية بخسائر طفيفة على جبهتها، حتى لا نقول بنجاح، وتقلب توقعات الكثيرين. وفي هذه الحالة يكون على «فتح» أن تواجه إنتخابات قادمة وقد أضيفت إلى قائمة الإتهامات التي رصدها الفلسطينيون لها تهمة المساهمة في تجويع الفلسطينين وحصارهم، والإنخراط غير المباشر في سياسات خصومهم.


"الحياة"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص