إنها القنبلة الذرية الفلسطينية../ عطا مناع*

كشفت معركة الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في قطاع غزة أمام ماكينة الإبادة الجماعية والشعارات العنصرية القائلة بضرب شعبنا بالنووي للخلاص منه والى الأبد عن مدى عظمة هذا الشعب وقدرته على استحضار المعجزات، رغم فقر الإمكانيات مقارنة مع ما تملكه الدولة الصهيونية التي صبت نصف مخزونها من أسباب الموت على رؤوس أبناء جلدتنا من المدنيين، وبالتحديد الأطفال الذين عاشوا جحيما سيبقى ملازما لهم وسيحفر عميقا في قلوبهم وعقولهم التي لن تنسى ولن تغفر لكل من شارك في اتخاذ القرار ومن غض الطرف وماطل وأغلق في وجوههم أسباب الحياة لحدود يفترض أن تكون عربية.

إذا كنا معنيين بوضع النقاط على الحروف أو الحروف تحت النقاط، لا بد لنا كفلسطينيين أن نجاهر ونصرخ في وجهة العالم ومؤسساته ونحمل الجميع مسؤولية ذبح أطفالنا والإجهاز على جرحانا المدنيين، ويحق لنا أن لا نستثني أحدا سوى الشعوب الحرة والرئيس الفنزويلي تشافيز الذي أكد مقولة... رًب أخ لك لم تلده أمك. والمسؤولية التي سيتحملها القتلة الإسرائيليون والعرب الناطقون بالعبرية لن تقتصر على الجرائم التي ارتكبت بحقنا فقط، وإنما التداعيات المستقبلية لهذه الحرب العقائدية المجنونة التي تعاملت معنا بدونية تجاوزت في تجلياتها كل الحدود وتفوقت على هولاكو وهمجية الأمم البائدة.

هناك إجماع من كافة الذين تابعوا مجريات حرب الإبادة على قطاع غزة أن دولة الاحتلال استهدفت البشر والشجر والحجر وكل شيء حي، ويتحدث العارفون عن التداعيات النفسية البعيدة المدى وخاصة على الأطفال الذين عايشوا ما أحدثه الأجرام الإسرائيلي من قتل الأب أمام ابنه والأم أمام ابنتها، وتؤكد الشهادات أن الإسرائيليين جمعوا العشرات من الفلسطينيين في مباني وقصفوها لتنهار على رؤوس من فيها وتقضي عليهم، هذه الجرائم لم تأت من فراغ أو كسلوك فردي، وإنما نتاج أيديولوجيا وتعبئة سياسية ودينية قادها أكثر حاخامات دولة الاحتلال تطرفا والذين نادوا بإبادة الشعب الفلسطيني وقتل حتى الأطفال، وهذا ما نفذته الآلة العسكرية الصهيونية في قطاع غزة.

هناك من يقول ان العدوان الإسرائيلي على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خلط الأوراق في المنطقة العربية وأسس لواقع سياسي جديد سنلمس تداعياته في السنوات القادمة، لكن الأهم والأخطر من التغيرات السياسية هو الحقائق الجديد التي فرضتها آلاف أطنان المتفجرات التي ألقتها دولة الاحتلال على رؤوس الفلسطينيين في قطاع غزة والتي ستقلب السحر على الساحر، حيث مليون ونصف المليون فلسطيني عانوا على مدار 22 يوما من آثار العدوان، وقد يكون من غير الدقيق أن نناقش العدوان على غزة باعتماد الأرقام سواء بالنسبة للشهداء أو الجرحى لأن كل فلسطيني توقع في كل لحظة سقوط صاروخ إسرائيلي على رأسه.

لقد نجحت اسرائيل في إثبات أنها قادرة على إبادة الشعب الفلسطيني بما تملكه من ترسانة عسكرية ودعم دولي كامل وصمت عربي وتساوق عربي مشبوه، هذه الرسالة وصلت لكل فلسطيني وخاصة من عاشوا جحيم العدوان على غزة. وقد أدرك الفلسطيني خلال العدوان أنه أمام خيارين لا ثالث لهما إما الموت أو الموت مما يفتح الباب واسعا لعدم الثقة بالمستقبل، وأن العدوان قد يتكرر وهذا ما تحدث به رئيس وزراء دولة الاحتلال إيهود أولمرت ويؤكده التعاطي الدولي مع جرائم الحرب التي ارتكبتها دولة الاحتلال في غزة.

القادم من الأجيال الفلسطينية خطير وفاقد الثقة بالمجتمع الدولي والنظام الرسمي العربي، هو جيل خرج من وسط الجحيم بقناعة راسخة تقول إن الدولة الصهيونية ستعيد الكرة، هو الجيل الذي عايش المجزرة ورأى الأشلاء المتفحمة واستخدم كدروع بشرية، ومورست أعمال القتل أمامه، تلك الجرائم ستلاحق أطفالنا في نومهم وتكبر معهم وسيكون من الصعب أن يغفروا الجريمة التي لن يقف أمامها المجتمع الدولي ومؤسساته الإنسانية والقانونية.

القادم مجتمع فلسطيني قوامه الأطفال الذين نجوا من المحرقة الصهيونية، هم الذين سيحدثون التغيير والانقلاب في الأداء الفلسطيني السياسي والمقاوم، لن يغفروا ولن يقبلوا بالحلول الوسط وقد نترحم بعد عقد أو اثنين من الزمن على الأداء الفلسطيني الحالي الموصوف بالراديكالية والتطرف، قد تصف الأجيال القادة هذه الحركات باللبرالية.. إننا أمام حقبة فلسطينية مختلفة تكويناتها أشبه بالقنبلة الذرية التي سعت الصهيونية لإيجادها، وهي وكل من شارك في المحرقة سيواجة جيل من طراز جديد قادر على إدارة الصراع بما يتساوى مع العنف الصهيوني.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018