ابادة شعبنا تحت سمع وبصر النظام العربي/حمدان حمدان

تسمح اسرائيل اليوم، لكافة الوسائل الاعلامية، من وكالات ومراسلي صحافة وفضائيات، بتصوير الارتال العسكرية المحتشدة، جنوب قطاع غزة وشماله، دون ادنى اهتمام، بما كان يسمى بالسرية العسكرية التي من اهم عناوينها، عدم تصوير المواقع والتشكيلات واللوجستيات.. خاصة اذا كان المسار هو مسار التمهيد لشن حرب واسعة، لا تطال غزة فحسب، بل وربما جبهات عربية اخري، على رأسها الجبهة السورية، فيما يتم التأكيد من واشنطن، بأن مفتاح المشكلة، مع حماس، اما هو في دمشق وليس غيرها.

ترى، هل تتجمع الحشود الاسرائيلية حول غزة، لكي تضرب اماكن تموضع القوات السورية في اي مكان؟!
من جهة اخرى، فان الكشف عن عديد القوات الاسرائيلية المحتشدة حول القطاع، واماكن تواجدها، ودرجات تسلحها.. انما يشير الى استخفاف كامل بالرسمية العربية، التي باتت اضعف من ان تعترض على شيء، حتى ولو بالكلام، وبالعكس تماما، فان الاعلام الرسمي العربي، يضع اللوم على كاهل الفلسطينيين، تماما مثلما وضع الملامة على كاهل العراق، في تسببه للغزو والاحتلال. فشاليت الجندي اليهودي الفرنسي الاسير في يد الفلسطينيين يمكن ان يتسبب بحرب اقليمية، لان ثمنه يمكن ان يتساوي مع ثمن شعب بأكمله، اما ان تقوم اسرائيل بحرب ابادة عن طريق القتل اليومي لعائلات بحالها، فانها هي الحرب على الارهاب، فهدى غالية ذات الاثني عشر ربيعا، وقبلها محمد الدرة صاحب العمر المماثل، ومعهما شريط جرار من اطفال فلسطين الشهداء، جميعهم يشكلون العمود الفقري للارهاب! ففي لا تعريف الارهاب، يكمن التعريف، بحيث مع تمدده اللانهائي، لعدم وقوعه في التحديد، يمكن ان يطال اطفال الحجارة، من حيث ان الحجر سلاح ارهابي، كما يمكن ان يطال المقاومة الوطنية، من حيث ان المقاومة، ممانعة لحق التصرف بقوة الغزو.

ومهما قيل او يقال، باختلال المكاييل والاخلاق، لدى قوى النهب العالمية، قوى الغطرسة، وسوق العالم بقوة السلاح، فاننا نحن العرب، لا يحق لنا، ان نقيم النكير، خارج ما هو عليه حالنا، فنحن وفوقنا زعماؤنا، من انشأ اسرائيل، ونحن وفوقنا زعماؤنا، من اعطى لاسرائيل الفرصة لكي تكون معادلا لثلاثمئة مليون عربي، بالعدد والعدة والكم والنوع، فاسرائيل ولدت وصارت من ضعفنا، واسرائيل في موقع المتفوق على المجموع العربي، بسبب هزال انظمتنا واهواء حكامنا، وكساح استخذائهم، ونأيهم عن كل ما يتعلق بمصائر شعوبهم، بجعلهم انفسهم واداراتهم، مطايا تحت مقعد الحوذي الغريب، من اي مكان وزمان، فهم ينفرون خفافا وثقالا، لدى سماع الصوت من واشنطن، عند اول الغبش، وفي عرفهم، ان حياة شعوبهم، معلقة بمفاتيح امريكا وما ترضى عنه اسرائيل، وفي ذلك قلب للتاريخ، ما كان وسيكون، فامريكا منذ البدايات، كانت الدولة الاولى التي اعترفت بقيام اسرائيل، وهي الدولة الثانية ـ بعد بريطانيا ـ التي اعترفت بوعد بلفور، وهي الدولة الاساس، التي جعلت من اسرائيل، قوة احادية في الشرق الاوسط الكبير.. فكيف يمكن ان يكون الخصم هو الحكم، بل كيف يمكن ان نبتغي انصافا للقمح في محكمة قضاتها من الدجاج!

ان الفلسطينيين اليوم، يتعرضون لكارثة مضافة، وقد يتمدد ذلك بشكل ما، ضد سورية، فيما الدور العربي غاطس في سبات الشكائيات والتمنيات بنصائح العجز والقعود، ولان اسرائيل، افضل من يقرأ الواقع العربي القعيد، فانها تهزأ بالسرية العسكرية لعدم ضرورتها، فالسرية العسكرية تكون لخصم مقتدر، اما وان (سلاح) الرسمية العربية، لا يتعدى الرجاءات والثناءات مع قُبل لخدود اولمرت، خليفة شارون في شرعنة الذبح الفلسطيني، فانه يحق ليوشع صاحب المقتلة الابادية لاريحا، ان يسفر عن وجهه كما اسفر في السفر التوراتي من جديد، اذ ليس ثمة عرب في الرؤياء التوراتية، بل طحلبيات ما زالت تتسلق على سلم داروين الشهير.

ولمن يتحرج من توجيه السخط ضد هذا الفوات العربي العام، فاننا نتساءل والغصة تملأ حلوقنا، كيف لمثل هذا النظام الرسمي العربي، ان يعيش ويستمر في العيش، انصاف وارباعها، وهو يتربع في بيت الطاعة فوق مقعد الحرص على مزرعته وارتهانه وطواعيته، الى الحد الذي لا يقبل بغير وصف العمالة.. فالعمالة هنا، ليست لغة خشبية، بل لانها الوصف الوحيد، الذي لا يقبل البديل عنه، لا في التشبيه ولا الاشتقاق، والشاهد ان الهولوكست الفلسطيني اي حفلات الابادة، تجري منذ ربع قرن، وما من معترض في نظام الطاعة العربي، والشاهد الآخر، ان الجزء الاهم من النظام العربي، مصر والاردن وكل دول الخليج النفطي، كانوا من المساهمين المتبرعين في فتح السماء والارض والماء.. امام جيوش الغزو لاحتلال العراق.

وحتى الجامعة العربية، فانها باتت نظاما عربيا رسميا، تحسب مثلما يحسب، بل هي تتلقى تعليماتها عن طريق التسلسل، بدءا من خارجية كوندا عبر خارجية ابو الغيط، ومنها الى جامعة العرب غير الجامعة، ولعل الموقف الانحطاطي في قبول ممثل الاحتلال، كممثل للعراق بن وزرائها.. انما يعكس الحال العام، في المسيرة والتشابه، فوزير خارجية العراق المحتل، شأنه شأن الوزراء الاخرين، من حيث ان وزيرا يمثل الاحتلال، فيما يمثل الاخرون انظمة محتلة والا لما كان للجامعة العربية ان تقبل مندوبا عن بلد محتل، فيما ميثاقها ينص صراحة، على ان مجلس الجامعة يتشكل من مندوبي الدول العربية المستقلة.

الان تذبح فلسطين وينحر العراق، وليس لدى الحكام والجامعة معهم، الا التواري واخفاء الرؤوس، وليس امامهم الا الهمهمة من بعيد، في فضيحة العصر الفاجرة، ان عالم الغرب كله، اوروبيا وامريكيا يقف مع الذئب ضد الضحية، فموت شاليت الاسير، مسألة لا تحتمل، وموت شعب كامل مسألة فيها نظر، فملايين ضحايا الحصار والغزو في العراق، ومئات الالوف من ضحايا الفلسطينيين بسلاح امريكي في يد اسرائيل.. كلهم لا يساوون الدم الازرق في عروق شاليت، فشاليت ابن المجتمع الاوروبي المتهود، يحمل صفتين دامغتين، صفة العرق الاعلى وصفة شعب الله المختار، ومن واجب العالم ان يقيم الدنيا لفقده.

لمن المحزن ان تهميش الامة الى درجة التلاشي، يجعل المفارقة مأساوية، حين تهب شعوب في اليونان والسويد وايطاليا وبريطانيا وامريكا اللاتينية، دفاعا عن حق الفلسطينيين في الحياة والاستقلال، ودفاعا عن حق العراقيين بالتحرر من الاحتلال، اما الانجاز التاريخي، لنظامنا العربي، فهو اماتة روح الكبرياء لشعب كان ينتفض في القاهرة دفاعا عن الجزائر، او في دمشق دفاعا عن اريتريا، او في بغداد دفاعا عن السودان، فيما اليوم، موات في فوات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018