استغاثة أولمرت وبيرتس../ هاشم حمدان

لا شك أن الحرب الأخيرة، بمجرياتها ونتائجها وتوقيتها (في أوج معركة إسرائيل اليائسة ضد صاروخ القسام)، أضحت مفصلاً، ربما الأهم في مفاصل الصراع "العربي الإسرائيلي" منذ عام النكبة، والتي من المتوقع أنها ستحدث تحولات عميقة في الذهنية الإسرائيلية عامة والأمنية بشكل خاص، بكل ما يتصل بما يسمى "الأمن القومي" وتجلياته على المستوى الأمني والديمغرافي (تشمل استجلاب اليهود إلى إسرائيل) والاستيطاني، ومن المرجح أنها ستقلب خططاً كثيرة رأساً على عقب، بدءاً بسياسة فرض الحلول أحادية الجانب والتي جعلت إسرائيل تتخلى عن "مكابرتها" وتتيقن من فشلها يوماً بعد يوم، وجدار الفصل العنصري الذي بدأ يتضح أنه لن يوفر الأمن للمركز بعد أن تبين أن بناء القدرة الصاروخية في الضفة الغربية هي مسألة وقت ليس إلا، مروراً بالاستيطان سواء في توسيع الكتل الإستيطانية في الضفة الغربية، أو مشاريع الإستيطان في الجليل والنقب تحت طائلة القصف الصاروخي على الشمال (الكاتيوشا) وعلى الجنوب (القسام)، وانتهاءاً بتكشف عجز الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة، المتحالفة مع الدولة الأعظم، عن توفير الأمن للجبهة الداخلية في ظل مخاطر مرشحة للتصاعد، وتجلي الطاقات الكامنة، على المدى البعيد، التي تنذر بوضع إسرائيل أمام مخاطر السير بعكس عقارب التاريخ.

وبينما من المؤكد أنه لا تزال تختمر في رؤوس واضعي سياسات الأمن القومي والقادة والمحللين العسكريين والسياسيين ورجال الأكاديميا تبعات الحرب والـ"ماذا بعد"، من الواضح أن المحاولات الإسرائيلية، في هذه الأثناء، تتواصل من أجل تحقيق أي إنجاز سياسي يخرج الحكومة الإسرائيلية من مأزقها السياسي، ويقدم الأجوبة على الأسئلة الإسرائيلية للشارع الإسرائيلي الذي لا يزال مصدوماً، وفي الوقت نفسه يبقي الحكومة فترة أقل بدون أية أجندة سياسية..

وفي هذا السياق، لعل الدافع وراء تكرار تصريحات بوش بشأن الإنتصار الإسرائيلي، برأينا، يكمن وراءه ثلاثة أسباب رئيسية، أولها أن هذه التصريحات تأتي استجابة لاستغاثات رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، في تقديم المساعدة له لإقناع الشارع الإسرائيلي بانتصار إسرائيل، ومن مثل بوش يعرف ماذا تعني تهاوي شعبية القائد في الإستطلاعات؟. وثانيها أن بوش وجد نفسه لا يتقبل هزيمة حليف استراتيجي ويتحمل مسؤولية مفترضة في جعل إسرائيل رأس الحربة في حرب الولايات المتحدة والغرب، مع ملاحظة تعثر مشاريع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومن هنا نشأ الإعتقاد بأن الحرب كانت أمريكية والأدوات إسرائيلية، وكان شلومو بن عامي آخر من عبر عن ذلك، قبل عدة أيام، مشيراً إلى أن ذلك فوق طاقة إسرائيل، ومبدياً تخوفه من أن تجد إسرائيل نفسها وحيدة بعد تخلي الغرب عنها. وثالثها أنه من المرجح أن التغطية الإعلامية للحرب في الولايات المتحدة تحديداً لم تكن تعكس جرائم الحرب في لبنان والدمار الهائل في البنى التحتية، بقدر ما تناولت آثار القصف الصاروخي على إسرائيل، وذلك من أجل الإبقاء على رأي عام مساند لإسرائيل، ومن هنا يأتي اختراع بوش، ربما للمرة الأولى في التاريخ، بأن الإنتصار الإسرائيلي الخفي، الذي لم ينعكس في الإعلام الأمريكي، بحاجة إلى الوقت لكي يتم اكتشافه!

وفي سياق البحث عن إنجازات سياسية، خاصة في ظل التلكؤ الدولي وتردد الدول في إرسال جنودها لمهمات قتالية في لبنان لتطبيق القرار 1701، ، بعد تخلي إسرائيل نفسها، مضطرة، عن أهدافها التي أعلنت الحرب من أجلها، يواصل من جهته وزير الأمن عمير بيرتس، إطلاق نداءات استغاثة أيضاً، ولكنها ليست موجهة إلى بوش، وإنما إلى الرئيس السوري بشار الأسد، على اعتبار أن فتح المسار السوري قد يعتبر إنجازاً يجلب بعض الطمأنينة للشارع الإسرائيلي عامة، ويرتق الخيوط في نسيج حزب العمل المتهتك بشكل خاص.

وفي الواقع فقد بدأ بيرتس بإطلاق هذه النداءات بعد أسبوعين من الحرب، ربما انعكاساً لأجواء خيبة الأمل التي سادت اجتماعات المجلس الوزاري المصغر، رغم أنها تقاطعت مع مخططات أولمرت في حينه، وتقاطعت مع استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة. وبرأينا فإن تصريحاته في البداية كانت نابعة من ضغوطات داخلية في حزب العمل لإنقاذ ما تبقى من هوية الحزب، بعد أن بدأ الحديث عن زلزال سياسي في إسرائيل يقلب الخارطة السياسية، وينفض أحزاباً منها بعد أن تلاشت الفروقات بين يمينها ويسارها.

بيد أن تصريحات بيرتس، إلى جانب تصريحات مشابهة لمسؤولين إسرائيليين بدأت تأخذ طريقها إلى وسائل الإعلام بشكل يومي، تواصلت مع توقعات المأزق الذي ينتظره، كوزير في الحكومة أيضا، ربما بتغاض من أولمرت او ربما بموافقته على مضض. ولعل نتائج الحرب شجعته على مواصلة ما أسماه تأهيل الأرضية المطلوبة للمفاوضات مع سورية، علاوة على التبدل في موقف الولايات المتحدة، بسبب النتائج على الأرض، من شن حرب شاملة تطال سورية أيضاً، إلى الحديث عن تفكيك "محور شر بوش" وإخراج سورية منه، تارة عبر التهديد بالمزيد من القوة والحصار، وتارة عبر الحديث عن مفاوضات من خلال إسرائيل والتلميح إلى الإستعداد إلى إعادة الجولان السوري المحتل.

وفي كل الحالات من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من إقصاء الدور الإقليمي لسورية، ولن تستطيعا مواصلة تجاهله، إسرائيلياً على اعتبار أنها (سورية) الرافدة لتيارات المقاومة، حماس وحزب الله بشكل خاص، وطبعاً لكونها دولة مواجهة لم تتنازل شبراً عن تحرير كامل أرضها المحتلة، وعربياً بسبب الثقل العربي للموقف السوري بوصفه ينسجم مع مواقف الشعوب العربية، في ظل عزلة أنظمة عربية تقلص دورها الإقليمي وثقلها في الشارع العربي، وأمريكياً بوصفها الكابح لمخططات الولايات المتحدة، التي تلتقي معها مصالح إسرائيل، بكل ما يتصل بإيران والعراق ولبنان وفلسطين، والمنطقة ككل.

إزاء ذلك كله، وبينما تتواصل نداءات الإستغاثة، كان خطاب الرئيس السوري الأخير بعد الحرب واضحاً بما فيه الكفاية، وقاطعاً لا لبس فيه، مسنوداً بالعمق العربي المنحاز إلى جانب المقاومة والشرق العربي الجديد..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018