اشتداد ضغوط إسرائيل والمحافظين الجدد على بوش لضرب إيران/ باتريك سيل

يتعرض الرئيس جورج بوش لضغط هائل من قبل إسرائيل والمحافظين الجدد الموالين لها داخل الإدارة الأميركية وخارجها، وذلك من أجل زيادة التصلب نحو إيران. وهم يريدون من الرئيس الأميركي أن يتعهد بضرب إيران إذا لم تتخل عن برنامج تخصيب اليورانيوم وأن يوجه لها إنذاراً واضحاً بأنه مستعد لفعل ذلك. وهم يقولون إن مجرد التصريحات والنقد العلني، كما فعل بوش أخيراً حين قارن إيران بـ «القاعدة»، لا تكفي، بل قد تحدث التأثير العكسي وقد تدفع الإيرانيين إلى الاعتقاد بأن عواء أميركا أسوأ من عضها.

ويعتقد المتشددون في إسرائيل وأميركا بأن العمل العسكري وحده، أو التلويح به، من شأنه أن يمنع إيران من الحصول على الأسلحة النووية بكل ما ينطوي عليه ذلك بالنسبة إلى أمن إسرائيل وميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية البالغة من الناحية الاستراتيجية.

ولقد أخذت المخاوف من أن يخضع بوش لضغط إسرائيل وأنصارها تثير القلق الشديد في موسكو وبكين وبرلين وباريس وروما وغيرها من العواصم العالمية حيث أخذ الزعماء السياسيون يتحدثون عن أهمية الحوار مع طهران بدلاً من اللجوء إلى القوة العسكرية، وكأنهم بذلك يحذرون واشنطن من عواقب هذا اللجوء.

وجاء تسارع النقاش الدولي حول أنشطة إيران النووية في ظروف صعبة بالنسبة إلى إسرائيل حيث يحاول رئيس الحكومة ايهود أولمرت الدفاع عن حياته السياسية وعن التحالف بين حزبه (كديما) وحزب «العمل».

وتثير المسألة الإيرانية القلق، خصوصاً لأنها تطرح أسئلة أساسية حول صلاحية المبدأ الأمني الذي سارت عليه إسرائيل خلال نصف القرن الأخير. ذلك أن النقطة المركزية في هذا المبدأ هي أن على إسرائيل، كي تكون آمنة، أن تهيمن على المنطقة وأن تكون على الصعيد الحربي أقوى من أي تحالف عربي أو إسلامي. وقد تلقى هذا المبدأ ضربة أليمة في حرب إسرائيل الفاشلة في لبنان التي أظهرت هشاشة إسرائيل إزاء صواريخ «حزب الله» وتحدي حرب العصابات للقوة غير المتكافئة. فالإسرائيليون، وخصوصاً أولئك المقيمون في الشمال، حيث اضطر ما يقرب من مليون نسمة إلى البقاء في الملاجئ، اكتشفوا بذهول أن الحرب قد شنت على تراب بلادهم، لا كما كان شأن كل الحروب السابقة التي كانت تدور على الأرض العربية فقط، وكان ذلك أمراً مفروغاً منه بالنسبة الى الجيش الإسرائيلي.

وهنالك سبب آخر للقلق لدى اليمين الإسرائيلي كحركة المستوطنين والأحزاب الوطنية الدينية و «ليكود» وحزب «كديما» الذي يقوده اليمين، وهو أن إسرائيل بدأت تتعرض للمزيد من الضغط الدولي كي تتفاوض مع الفلسطينيين من أجل إنشاء دولة فلسطينية. وقد أخذت أصوات نافذة تنادي بوجوب عقد مؤتمر دولي لطرح عملية السلام من جديد - أي لنوع من مؤتمر مدريد رقم 2 - وجاء نجاح الفلسطينيين في تجاوز الصراع بين «فتح» و «حماس»، والخطوات الايجابية نحو تأليف حكومة وحدة وطنية لتجعل إسرائيل في وضع أصعب، إذ لا يمكنها بعد ذلك القول إنها لا ترى طرفاً للتفاوض معه.

حتى رئيس الحكومة البريطانية توني بلير الذي اعتقد الإسرائيليون بأنه شريك للولايات المتحدة في تبني الموقف الإسرائيلي نادى أخيراً بضرورة وضع حد لمقاطعة الفلسطينيين ورفع كل القيود بمجرد قيام حكومة الوحدة الوطنية.

كل ذلك يعتبر أخباراً سيئة بالنسبة إلى اليمين في إسرائيل ولأنصارهم الأميركيين. فلقد اعتقدوا بأن صيغة الأرض مقابل السلام التي جاءت في قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 قد دفنت نهائياً. وهم يريدون كسر الحركة الوطنية الفلسطينية - وهذا ما يبدو جلياً في حملة أولمرت الشعواء على غزة والضفة الغربية - لا التفاوض على تسوية معها. إنهم يريدون استلاب المزيد من الأراضي الفلسطينية وليس الانسحاب إلى حدود 1967.

تلك هي الخلفية الحقيقية للصخب الدائر حول أنشطة إيران النووية، لأن القنبلة الإيرانية معناها نهاية احتكار إسرائيل الإقليمي للأسلحة النووية واضطرار إسرائيل لقبول نوع من توازن القوى أو على الأقل توازن وسائل الردع.

ويدعي الإسرائيليون أيضاً بأن حصول إيران على السلاح النووي يشكل خطراً وجودياً لدولتهم. وليس من الواضح إذا كانوا يعتقدون فعلاً بأن إيران ستهاجمهم وتعرضهم لخطر الانتحار - على نحو أسطورة «الماسادا» - أو أنهم بكل بساطة لا يمكن أن يتصوروا أن يقوم في الشرق الأوسط ما يمكن أن يهدد هيمنتهم الجبارة ويحد من حريتهم في مهاجمة جيرانهم وسحق الفلسطينيين.

وحين قامت إسرائيل بعد عام 1981 بضرب المفاعل الذري العراقي أعلنت بوضوح بأنها قد تقوم بضربة استباقية لأي برنامج نووي تعده دولة معادية في المنطقة. ولعل الرسالة التي تريد إسرائيل توجيهها للرئيس بوش هي أنه إذا لم تقم أميركا بضرب إيران فستضطر أن تقوم هي بذلك.

ذلك ما جاء بشكل واضح في مقال نشره أفرايم أنبار أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار ايلان والباحث اليميني المعروف، فقد جاء في المقال: «تستطيع إسرائيل أن تقوم بضربة استباقية محدودة، فهي تملك السلاح والقدرة والجرأة للقضاء على مرافق إيران النووية. وهي وإن كانت أقل قدرة من أميركا على القيام بهذا العمل فإنها تستطيع مع ذلك الوصول إلى الأهداف المقصودة في إيران. وهي إن كانت ستخسر أكثر من أميركا في ما لو أصبحت إيران نووية، إلا أن لديها حوافز أكثر لتقوم بالضربة الاستباقية».

وجاء صدى وجهة النظر هذه من قبل أنصار إسرائيل في أميركا كالمدعوة دانيلا بليتكا العاملة في معهد (أميركان انتربرايز) التي كتبت تقول «إن عروض الحوار مع إيران ليست سوى مضيعة للوقت، فإيران تمارس قمعاً وحشياً في الداخل، كما تمارس الإرهاب في الخارج وتوزع السلاح غير عابئة بأي عقاب. ولقد تحدثنا بما فيه الكفاية عن ضرورة الحوار ولا بد أن تكون لنا خيارات أخرى». وأضافت منذرة: «ليس من الحكمة أن تجبر أميركا على الخيار بين أن لا تفعل شيئا أو أن تفعل كل شيء. فقد ينتهي الأمر إلى وضع كهذا».

ويشكك المعلقون أمثال انبار وبليتكا وكثيرون غيرهما من المتشددين في أميركا وإسرائيل، بازدواجية الخطاب الإيراني الذي يخشون أن يكون قد حاز اعجاب الأوروبيين. وهم حانقون على المفاوضات التي يجريها خافيير سولانا المسؤول عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي مع علي لاريجاني المفاوض الإيراني الرئيسي بشأن القضية النووية.

ويتخوف هؤلاء المتشددون من الأنباء المتداولة حول قبول إيران بتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة شهر أو شهرين ويشتبهون بأنها خدعة غايتها إحداث انقسام في مجلس الأمن وإبعاد خطر العقوبات. وهم يتخوفون أيضاً من اتجاه المجتمع الدولي نحو وضع يسمح لإيران أن تنتج الوقود النووي تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية. وهذا في نظرهم هو خطوة نحو التسامح مع صنع القنبلة الإيرانية في مستقبل قريب.

ولعل الخوف الحقيقي لدى المتشددين هو احتمال أن توافق الولايات المتحدة على الدخول في محادثات مباشرة مع إيران، الأمر الذي يؤدي إلى شرعنة نظام الملالي في إيران ويدعم وضع إيران كدولة مهيمنة في الخليج وربما يخفض منزلة إسرائيل كحليف وحيد لأميركا في المنطقة.

فالمعركة بالنسبة إلى المحافظين الجدد في واشنطن من أجل تحديد السياسة الأميركية تجاه إيران هي امتحان فاصل لنفوذهم المتراجع. فلقد لعبوا دوراً أساسياً في اقناع أميركا بشن الحرب ضد العراق، ثم نادوا بضرورة تدمير حكومة «حماس» في الأراضي الفلسطينية، وقدموا دعماً قوياً لإسرائيل في حربها ضد «حزب الله» الذي استمروا في وصفه «حركة إرهابية» ومجرد موقع أمامي لإيران.

إلا أن نفوذ المحافظين الجدد قد تراجع في واشنطن بعد أن تحولت حرب العراق إلى كارثة استراتيجية ومع احتمال كارثة قادمة في أفغانستان. هذا بالإضافة إلى أن شعور العداء لأميركا في العالمين العربي والإسلامي قد بلغ مستويات قياسية. وقد غادر أعلام المحافظين الجدد أمثال بول وولفوفيتز ودوغلاس فايث ولويس ليبي الإدارة الأميركية. وأما الباقون من أمثال وليام كريستول رئيس تحرير صحيفة «ويكلي ستاندارد»، فإن خسارة الورقة الإيرانية قد تكون بالنسبة إليهم الصفعة الأخيرة.

ولعل كابوسهم الأخير أن يأتي وقت تعتمد فيه أميركا على إيران كي تساعدها على ضبط الوضع الفوضوي الخطير في أفغانستان والعراق. وهم يرون في زيارة رئيس وزراء العراق نوري المالكي إلى إيران مؤشراً خطيراً بهذا الاتجاه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018