الأبعاد الاستراتيجية للحرب القادمة على سورية../ معقل زهور عدي

غني عن القول أن التصور الذي سأعرضه للحرب القادمة والمرشحة أن تكون موجهة ضد سوريا هو مجرد احتمال لكن ما يبرر الاهتمام به أمران:
الأول: سياق موضوعي للصراع الدائر على امتداد المنطقة العربية وما حولها.
والثاني: خطورته الشديدة على مصير سوريا ومستقبلها.

منابع الحرب
التصعيد وازدياد التوتر:
يمر الصراع الدائر في المنطقة العربية وما حولها بمرحلة سمتها الرئيسية هي التصعيد. فعوامل التوتر تتفاقم باضطراد، فالسياسة الأميركية للمحافظين الجدد أفلحت في توريط الولايات المتحدة في صراع مكشوف، صراع لا تقدر الولايات المتحدة على الخروج منه مهزومة، سواء كانت تحت حكم المحافظين الجدد أم تحت حكم الديمقراطيين الأقل تطرفا، واذا تأملنا مسار مقاومة مشروع الهيمنة الأميركي - المرتكز على استعمال القوة العسكرية في أماكن محددة والاستفادة من نتائجها في أماكن أخرى لتحقيق ذات الأهداف السياسية - خلال السنوات الأربع الماضية سواء في العراق أو في أفغانستان أو فلسطين أو لبنان نجد أن سمة التصعيد غالبة على ذلك المسار، مثلا: المقاومة العراقية تزداد تجذرا، حتى السياق الطائفي الذي تمت المراهنة عليه لامتصاص تلك المقاومة كان في بعض جوانبه حافزا لها (رغم سلبيته في الاجمال بالطبع)، فوقوف الاحتلال مع طرف ضد طرف دفع الطرف الآخر للمقاومة باعتبارها خياره الوحيد للدفاع عن النفس وأضعف الأصوات المهادنة للاحتلال داخله الى حد كبير، في الوقت ذاته لم تستطع السياسة الأميركية كسب الطرف الآخر سوى بصورة جزئية ومؤقتة، وقد أثبتت تجربة التصويت على الفدرالية أن تيارا قويا داخل الشيعة العرب بدأ يتبلور ضد ما تعرضه السياسة الأميركية من خيارات مدمرة.
(الصحافي الأميركي العريق بوب وودوارد في كتابه الجديد «حالة نكران» أسهب في سرد الخلافات بين وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي «فقد مصداقيتهِِِِ» وتوقعات الاستخبارات الأميركية أن يسوء الوضع في العراق السنة المقبلة.

وفي حديثه الى شبكة «سي بي أس» في برنامج « 60 دقيقة» ذكر أن ادارة بوش «تخفي معلومات عن الرأي العام الأميركي عن مدى تدهور الوضع الأمني في العراق». وقال «اننا نشهد ما بين 800 و900 هجوم اسبوعياً أي بمعدل اربعة في الساعة على قواتنا». واوضح ان «خبراء الاستخبارات يتوقعون أن يتدهور الوضع في 2007»).( عن صحيفة الحياة 1/10/2006 ).

يؤدي فقدان السيطرة الأميركية على الوضع في العراق، واحتمالات تصاعد المقاومة العراقية الى توتر متزايد داخل الادارة الأميركية خاصة حين لا يبدو في الأفق أي مخرج مشرف لتلك الورطة الكبيرة.

بالنسبة للبنان: جاءت الحرب الاسرائيلية في سياق الرغبة بتغيير ميزان القوى لصالح الحلف الأميركي – الاسرائيلي كتعويض جزئي عن الفشل في العراق فكانت النتيجة معاكسة بصورة فادحة، وهنا انضمت اسرائيل الى الولايات المتحدة في الشعور باختلال الموازين بطريقة لا يمكن تحملها لفترة طويلة.
تؤدي الأزمة الناشئة بين الولايات المتحدة وايران الى ازدياد اضافي للتوتر في المنطقة، ونشوء استقطابات تدفع باتجاه المواجهة.

عوامل القوة والضعف:
في مشروع احتلال العراق جرى الرهان على أن التفوق العسكري التكنولوجي الأميركي سيكون كافيا لدفع المجتمع العراقي للاستسلام على الطريقة اليابانية، بحيث تستطيع الولايات المتحدة سحب معظم قواتها المسلحة خلال مدة عام أو عامين وابقاء قوة محدودة في معسكرات قوية التحصين، مع قواعد جوية ولوجستية كافية لامداد وزيادة تلك القوة حين الحاجة، في حين تتجسد الهيمنة الأميركية في اعادة تركيب الدولة العراقية وفق المواصفات الأميركية بدساتيرها ومؤسساتها الاقتصادية والسياسية والقانونية.

هكذا تكون الولايات غير مهددة بظهور نقاط ضعفها المتمثلة في عدم الاستعداد لنزيف في الخسائر البشرية لمدة طويلة، وعدم قدرتها على الصرف على حرب لانهاية لها دون تعريض الاقتصاد للأزمة، وعدم قدرتها على الاستمرار في أعمال حرب مجنونة دون ازدياد عزلتها العالمية وكراهية الشعوب لها.
الآن بدأت عوامل الضعف تظهر وتزداد تأثيرا.

بالنسبة للسياسة الأميركية اذا أمكن ثانية استخدام عوامل القوة في مكان آخر لتعديل ميزان القوى فسيكون ذلك ملائما لاستعادة المبادرة وفتح طريق الخروج المشرف.

اغراءات الحرب
من الخارج تبدو سوريا دولة صغيرة معزولة منهكة، ولا يبدو المجتمع فيها بأفضل حالاته، وربما ساهم المثال اللبناني في اعطاء انطباع (قد ينكشف أنه خاطئ فيما بعد) عن تيارات اجتماعية كامنة (قريبة للتيارات اللبنانية الصديقة للغرب) يمكن ان تتكيف مع السياسة الأميركية بحيث تشكل تلك التيارات مستقبلا مرتكزات بديلة للسياسة المبنية على الهيمنة العسكرية المكشوفة التي أثبتت فشلها حتى الآن.

من الناحية الاستراتيجية تبدو سوريا في وضع صعب للغاية بين القوة العسكرية الأميركية في الشرق والقوة العسكرية الاسرائيلية في الجنوب والغرب، وهناك احتمال أن يكون مثل ذلك الوضع سببا اضافيا مغريا للحرب.

يمثل القضاء على الخطر العسكري السوري هدفا استراتيجيا بالنسبة لاسرائيل، وبدون شك فان اسرائيل تحمل سوريا قدرا من المسؤولية في هزيمتها أمام حزب الله، وربما أدركت الآن وأكثر من أي وقت مضى ما يمثله التحالف بين سوريا وحزب الله من خطر بحيث يدفعها لمواجهته قبل التفكير بأي مشروع سلام وفقا للمواصفات الاسرائيلية.

قد يكون مغريا أيضا لاسرائيل التفكير بمشروع حرب ضد جيش نظامي، يمكن استخدام الطيران بفعالية ضد أهدافه الثابتة والكبيرة، على أمل استعادة شيء من هيبة الردع التي غرقت بالوحل في لبنان.

سيناريو الحرب
أولا: الانزلاق نحو الحرب
لا يمكن الدخول في الحرب مهما كانت مرغوبة دون المرور بمرحلة انزلاق نحو الحرب، بالنسبة للحلف الأميركي – الاسرائيلي قد يتم ذلك بعد سلسلة من عمليات العزل السياسي والدبلوماسي، والاقتصادي لسوريا.
وتشكل مسألة اغتيال الحريري وتداعياتها مدخلا محتملا للانزلاق نحو الحرب عبر الاجراءات السابقة وغيرها.
هنا يمكن للطرف الأميركي – الاسرائيلي الظهور بمظهر من يسعى لتطبيق العدالة الدولية، وتكون الحرب استمرارا لهكذا مسعى وليس كهدف مخطط ومرسوم مسبقا.

تعلمنا التجربة أن الانتقال للضربة العسكرية يتم التمهيد دائما له بعزل الخصم واظهاره عدوا للمجتمع الدولي، والبدء بتطبيق العقوبات عليه، لقد قامت أميركا خلال السنتين الماضيتين بتطبيق ذلك على سوريا ومازالت تسعى للمضي فيه بحذر شديد، لكن المؤشرات الأخيرة تدل على امكانية تصعيد لذلك الاتجاه.

يمكن أيضا تصور أن تعمد الولايات المتحدة الى دفع سوريا للتصعيد عبر تزايد الضغوط المختلفة عليها بحيث يظهر الانزلاق نحو الحرب وكأنه آت من سوريا كما حدث مع مصر سنة 1967.

ثانيا: خطة الحرب
بلا شك أن ثمة عدة سيناريوهات لخطة الحرب، القاسم المشترك بينها سيكون الاستخدام المكثف للطيران لضرب الأهداف الاستراتيجية، بخلاف الحروب السابقة، الهدف الاستراتيجي سيكون الدولة السورية كجيش واقتصاد معا.

ردود الأفعال العربية والدولية
لايمكن لحرب كهذه أن تتم بدون أن تتبناها الادارة الأميركية بصورة كاملة، وبالتالي فان ردود الأفعال ستكون مشابهة لما جرى أثناء الحرب في لبنان بصورة عامة، لقد أوضحت حرب لبنان مدى الاختلال في ميزان القوى العالمي لصالح الولايات المتحدة الأميركية، أما الأنظمة العربية فسيحكمها الخوف ويدفعها للبقاء بعيدة عن ساحة المعركة، ريثما تتبين الهامش المتاح لها للتدخل.

فرص النجاح والفشل
أكاد أجزم ان ما يحول دون اقدام التحالف الأميركي – الصهيوني على حرب كهذه هو التفكير بالعواقب البعيدة لمثل تلك الحرب وليس بنتائجها المباشرة، فالتفوق العسكري الاستراتيجي للتحالف السابق يكاد يكون مطلقا، والوضع السياسي العالمي لم يكن في وقت من الأوقات أنسب لحرب كهذه مما هو عليه اليوم، وكذلك الوضع العربي (حال الأنظمة والشعوب).
العواقب البعيدة المدى، ذلك ما يدفع لمراجعة التفكير عدة مرات قبل الاقدام على عمل كهذا هو الأكبر من نوعه بعد غزو العراق.

لكن من الأفضل عدم الاتكال كثيرا على حكمة وتبصر الادارات الحاكمة في أميركا واسرائيل في رؤية العواقب الوخيمة بعيدة المدى التي ستلحق بهم نتيجة الحرب،فمشروع الحرب على العراق قد تم انتقاده كثيرا على يد خبراء وصناع للسياسة الأميركية أمثال جيمس بيكر وذلك من وجهة نظر التداعيات بعيدة المدى التي يمكن ان تنتج عنه، مع ذلك فقد اندفعت الولايات المتحدة نحو الحرب.

في اسرائيل هناك صراع بين تيارين أحدهما واقعي يريد الخروج بالدروس والعبر من حرب لبنان وقد اقتنع بمحدودية القوة الاسرائيلية وخطأ البقاء بحالة اللاسلم واللاحرب، وتيار آخر متطرف يعتبر حرب لبنان مجرد انتكاسة مؤقتة ينبغي تصحيحها في أقرب وقت واستعادة هيبة الردع للقوة العسكرية الاسرائيلية باعتبارها الضمان الوحيد لبقاء اسرائيل، ومن المعروف جيدا ان التيار الثاني هو التيار الأقوى والمؤهل لحكم اسرائيل في المرحلة الراهنة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018