الأبعاد التي لن تنتهي في الصراع العربي- الصهيوني/عبد الإله بلقزيز

بدت الحركة الوطنية الفلسطينية - وإطارها التمثيلي الجامع: منظمة التحرير الفلسطينية- ولفترة طويلة منذ قيامها، وكأنها أقل احتفالاً بالأبعاد الرمزية (الثقافية، الدينية، الحضارية) لقضية فلسطين والصراع العربي- الصهيوني. وربما رد هذا الانطباع إلى طبيعة تعيينها لقضيتها كقضية تحرر وطني من الاغتصاب الصهيوني، في المقام الأول، وليس لاسترداد حق ديني أو ما شاكل ذلك، وربما زاد الانطباع رسوخاً أن منظماتها السياسية والفدائية إما مستندة إلى ايديولوجيا وطنية (حركة التحرير الوطني الفلسطيني: “فتح”) أو إلى ايديولوجيا قومية (“الجبهة الشعبية- القيادة العامة”، “الصاعقة”، “جبهة التحرير العربية”، “جبهة التحرير الفلسطينية”)، أو ماركسية (“الجبهة الشعبية”، “الجبهة الديمقراطية”، “الحزب الشيوعي”، و”جبهة النضال الشعبي”).

والحق أن هذا الانطباع خاطئ ولا يلحظ كل تراث الثورة في الدفاع عن مقدسات فلسطين من التهويد (لا من الاحتلال فحسب) وتكريس القدس مثلاً عنواناً رئيسياً للقضية: وهي موطن إجماع الفلسطينيين كافة: وطنيين وقوميين ويساريين ثم إنه ينسى الأصول الايديولوجية الإسلامية لبعض قادة ومؤسسي “فتح” (الأصول الإخوانية لياسر عرفات مثلاً أو انحدار خالد الحسن من حزب التحرير) والأهم من ذلك كله السياسات الفلسطينية الرسمية التي تجاوبت تجاوباً بعيد الحدود مع الإدراك الديني الشعبي للمسألة الوطنية الفلسطينية، فوضعت ملف القضية في الأطر المناسبة: القومية (في الدائرة العربية) والإسلامية (“منظمة المؤتمر الإسلامي، و”لجنة القدس”) والمسيحية (الفاتيكان والكنائس الشرقية) وأنفقت الكثير من أجل الحفاظ على التراث الثقافي والديني والحضاري لفلسطين، وعياً منها بأن مجابهة استراتيجية التهويد والمسخ الثقافي والحضاري، إنما تتم من خلال التوسل بالموارد الثقافية الرمزية والدفاع عن الشخصية العربية والحضارية لفلسطين ببعديها الإسلامي والمسيحي.

ويسع أي متابع لتطورات الحياة السياسية الفلسطينية ومواقف قيادة الثورة والمنظمة (قبل “أوسلو” خاصة) أن يلحظ درجات التفاعل والتناسب بين تلك المواقف وبين تحولات السياسة “الإسرائيلية” في امتداد تحولات اتجاهات الرأي العام في المجتمع الصهيوني، وهكذا حين جنحت السياسة “الإسرائيلية” نحو اليمين واليمين المتطرف، وأضحت حبيسة ضغوط ومطالب قواها الدينية- وابتزازاتها للكتل الكبرى لتشكيل الائتلافات الحكومية-، ومالت أكثر إلى التركيز على الأبعاد الدينية للكيان “الإسرائيلي”، واستنفرت السياسة الفلسطينية مواردها الرمزية، هي الأخرى، واشتغلت بالأدوات نفسها، وذلك ما يبرر- مثلاً- بعض أسباب انتقالها من التشديد على حق العودة شعاراً رئيسياً إلى التشديد على القدس في المقام الأول منذ نهايات السبعينات ومطالع الثمانينات، أي منذ صعود اليمين الديني الصهيوني. أما حين نشأت تنظيمات الحركة الإسلامية في فلسطين (“حركة المقاومة الإسلامية: حماس”، و”الجهاد الإسلامي” و”الحركة الإسلامية” في أراضي ال48 بقيادة الشيخ رائد صلاح) فقد تعاظمت فرص الذهاب بعيداً في التشديد على تلك الأبعاد العميقة غير السياسية للصراع مع الدولة العبرية ومشروعها المستند إلى مقدمات دينية.

تأخذنا هذه المقدمات والمعطيات إلى الاعتقاد بأن تغييراً كبيراً لن يطرأ فلسطينياً على رؤية تلك الأبعاد الثقافية- الحضارية للصراع العربي- “الإسرائيلي” بل ستستمر الرؤية عينها في السنوات العشر المقبلة، ولعلها تشتد أكثر من ذي قبل، ربما قيل إن النخبة الفلسطينية “الحاكمة” اليوم- أي منذ رحيل القائد الشهيد ياسر عرفات- أكثر براغماتية وعلمانية وفلسطينية من سابقتها، وأقل اعتناءً منها بعروبة فلسطين وانتمائها الإسلامي والمسيحي وادعى إلى التفاهم على حل سلمي، وإن كان ثمنه هذه المضامين كلها.. الخ ومع اننا لن نختلف كثيراً في أمر طبيعة هذه النخبة وخياراتها، إلا أننا نميل إلى الاعتقاد بأن حرية حركتها ستكون محدودة ومقيدة بقيدين لن يكون يسيراً فك جماحها عنهما.

أول القيدين السقف الذي رسمه ياسر عرفات للتفاوض حول مسألة القدس في “مفاوضات كامب ديفيد الثانية” وتمسكه بالثوابت الوطنية والقومية والدينية، بعدم تقديم أي تنازل عن المدينة المقدسة، ومع علمه بأن الثمن سيكون كبيراً “انهيار المفاوضات، وهو عين ما حصل” إلا أنه أنهى حياته السياسية بهذا الموقف المشرف، وعوقب عليه بالحصار ومحاولات العزل والاغتيال. وسيكون صعباً، بل مستحيلاً، على أي سياسي فلسطيني (علماً بأن أحداً لا يملك كاريزما ياسر عرفات) أن ينال من هذا الحُرم الديني والسياسي فيقدم على ما رفضه عرفات بشدة لعلمه بما تعنيه القدس بالنسبة إلى الشعب والأمة.

وثاني القيدين تصاعد نفوذ الحركة الإسلامية وتنظيميها الرئيسيين “حماس” و”الجهاد الإسلامي” على ما كشفت عن ذلك شعبية “حماس” في الانتخابات البلدية، وتزايد حالة التأييد التي تلقاها مواقفها السياسية المستندة إلى مبررات دينية (فضلاً عن الوطنية) وخطها الكفاحي الثابت، وأحسب أن هذا النفوذ سيزيد أكثر في المرحلة المقبلة خصوصاً في غياب مرجعية كاريزمية مثل الشهيد ياسر عرفات قد تأخذ من الحركة الإسلامية مثل ذلك الدور. وغني عن البيان ما تعنيه القدس وما تعنيه فلسطين دينياً لدى الحركة الإسلامية وجمهورها.

ما يقال عن رؤية المجتمع الفلسطيني، سلطة ومنظمة، وفصائل وشعباً، للأبعاد الحضارية والدينية لقضية فلسطين والصراع العربي- “الإسرائيلي” يقال نظيره عن رؤية المجتمعات العربية والإسلامية: حكومات وأحزاباً وشعوباً للقضية نفسها. رب قائل إن حكومات العرب والمسلمين ما عادت معنية بهذا الصراع، وهي تتسابق كي تنهيه من مدخل إقامة علاقات “طبيعية” مع الكيان الصهيوني، يستوي في ذلك أصحاب القضية المباشرون “العرب” اقتداء بمصر والأردن وموريتانيا وقطر وتونس.. أو أصحابها الأبعدون “المسلمون” على نحو ما نعاين أمره في مواقف نظام مشرف في باكستان، ونظام “حزب العدالة والتنمية” في تركيا، ومع وجاهة ملاحظة القائل، فثمة ما لا يمكن تجاهله في هذا الباب، ومنه أن النظام العربي الرسمي ممثلاً بجامعته وقممه والمنظومة الإسلامية الرسمية، ممثلة في “منظمة المؤتمر الإسلامي” لا يستطيعان- حتى الآن على الأقل، ولعل ذلك أيضاً لسنوات أخرى قادمة- إسقاط الثوابت القومية والإسلامية “أي الحضارية” حيال قضية فلسطين والصراع مع “إسرائيل”. وهذه - في حساب السياسة- ليست شأناً تفصيلياً يمكن شطبه أو استصغار معناه.

الأهم من ذلك كله موقف الشعوب وحركاتها السياسية ونخبها الفكرية.. الذي لم يحد عن رؤية تلك الثوابت الحضارية للمعركة من أجل فلسطين، وضدّ الكيان الصهيوني لنذكر هنا بثلاث حالات سياسية ذات مضمون ثقافي كبير في الدائرتين العربية والإسلامية: “حزب الله” والمقاومة في لبنان، وحركة مناهضة التطبيع مع “إسرائيل” في الوطن العربي، وعشرات الملايين من المتظاهرين نصرة لشعب فلسطين وقضيته: من الرباط إلى جاكرتا. ليس اللبنانيون والعرب والمسلمون فلسطينيين بالمعنى المواطني، لكي يهبوا دفاعاً عنها، وافتكاكاً لها من براثن الاحتلال، لكن فلسطين وطنهم جميعاً: بالمعنى الثقافي، والقومي، والديني، والحضاري، وهم لذلك في قلب المعركة من أجلها، تلك حقيقة تقاس بخبرة مئات السنين، وليس في ظني أن عشر سنوات- حتى وإن كانت عجافاً- ستغير منها.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة