الأمن والروح الإسرائيلية/ أنطوان شلحت

تتواصل، في الآونة الأخيرة، عملية تراكم الإشارات إلى ما في الإمكان اعتباره جهدا إسرائيليا، يظهر أنه منهجي ومبرمج، ينصبّ في غاية إعادة هندسة "الروح الإسرائيلية" حول الأمن، الذي يحيل مباشرة إلى أولوية الجيش على ما عداه. وتندرج ضمن هذه الإشارات المقالة التي نشرها رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، موشيه يعالون، في العدد الجديد من مجلة "تخيلت" الإسرائيلية تحت عنوان "الجيش والروح الإسرائيلية".

بطبيعة الحال لا يضنّ يعالون في الهجوم على قرارات المستوى السياسي، إن لجهة ما هو متعلق بخطة الانفصال عن غزة أو لجهة مضمون البحث في مبنى الجيش ونظرية الأمن.

وما قد يهمنا أنه في هذا الموضوع الأخير يشدّد يعالون، بوجه خاص، على موضوع "توزيع العبء الأمني" على جميع السكان اليهود، الذي يؤكد أن الجيش يؤيده على الدوام لكنه لا يفلح في تطبيقه بسبب قرارات المستوى السياسي، فيكتب في هذا الشأن قائلاً: "يعاني الشعور بالتضامن القومي (الوطني) من خلل جراء الوضع القائم الذي لا تؤدي فيه أجزاء أو فئات معينة من الجمهور الإسرائيلي أية خدمة عسكرية في الجيش، الأمر الذي يتسبب في توزيع غير متساو للعبء الأمني. من جهته يساند الجيش الإسرائيلي بثبات توزيعاً متساوياً أكثر للعبء، غير أن قرارات سياسية مختلفة حالت دون تطبيق هذا التوجه حتى الآن. هذه المسألة، التي لا يجوز الاستخفاف بها، لها انعكاسات حاسمة على صورة الدولة وأمنها". وينطلق، من ثمّ، كي يعيد "صورة إسرائيل" إلى نقطة الارتكاز الرئيسة، التي ترى أن سر قوة إسرائيل ينسحب أيضًا، وكاد أن يقول أساسًا، فضلاً عن نوعيتها البشرية وعن الإنجازات العلمية والتكنولوجية التي تضعها في طليعة دول العالم، على ما يتعلق بالقوة العسكرية لإسرائيل. "فقد تمكنت إسرائيل من تطوير وبناء قوة عسكرية متقدمة بمقاييس عالمية، وتمنح التكنولوجيا العسكرية المتوفرة حالياً للجيش الإسرائيلي تفوقاً حاسماً لهذا الجيش في مجالات دقة النيران وسرعة الحركة وجمع المعلومات وغيرها. ويتيح تطور القدرة الاستخبارية للجيش الإسرائيلي رصد وتحديد أهداف ونقل معلومات في زمن حقيقي إلى مستوى متخذي القرارات، وإصابة الهدف إصابة دقيقة ومباشرة قدر الإمكان. هذه القدرات تُتَرجم إلى قوة عسكرية ملموسة وليس فقط في مجال محاربة الإرهاب".

لكن جوهر ما يقول به يعالون علاوة على كل ذلك إنمّا يتحدّد في أن مناعة إسرائيل الاجتماعية منوطة، أكثر شيء، ببقاء الجيش الإسرائيلي "جيش الشعب":
"إن الخدمة في الجيش تشكل فرصة ثمينة لتحقيق التقارب والألفة بين الأفراد من المجموعات السكانية المختلفة، وهو ما يشكل جانباً كبيراً من دور الجيش الإسرائيلي كـ "جيش الشعب". لكن ومع الأسف الشديد، فإن هذا الدور أيضاً أضحى محور خلاف. وقد طرحت مؤخراً مقترحات مختلفة لتحويل الجيش الإسرائيلي من "جيش الشعب" إلى جيش مهني. هذا النقاش سابق لأوانه حسب اعتقادي، ذلك لأن الجيش الإسرائيلي سيكون مطالباً، في ضوء التهديدات الآنفة الذكر، بالاستمرار في الحفاظ على حجمه الحالي، وعلى الأقل في المستقبل المنظور".

على ما يبدو فسيبقى الجيش الإسرائيلي "جيش الشعب" حتى إشعار آخر، في ضوء حقيقة أن اللجنة الخاصة بإعادة النظر في نظرية الأمن الإسرائيلية (برئاسة الوزير وعضو الكنيست السابق دان ميريدور) أوصت هي كذلك بهذا الأمر.
لكن من الواضح في الوقت ذاته أن هذه التوصية وخلاصة يعالون تشكلان محاولة للهروب إلى الأمام من مترتبات الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية على تلك المناعة، التي على ما يظهر بدأت تطول بعض المسلمات الصنمية المرتبطة بالأمن.

وفي هذه المحاولة فإن "لجنة ميريدور" وم. يعالون لا يقفان بمفردهما.
ويثبت هذا الأمر، ليس على سبيل الحصر، ما ورد في وثيقة "مؤتمر هرتسليا السادس (الأخير) حول ميزان المناعة والأمن القومي لإسرائيل" في شأن روح الأمن، حيث ورد بالحرف ما يلي: "على أرضية الوضع الإستراتيجي المريح نسبياً للدولة (إسرائيل) أخذ الشعور بالتهديد الوجودي يخبو شيئاً فشيئاً. في الوقت ذاته ازداد الانشغال بموضوع الجيش (الإسرائيلي)، من حيث حجمه الضروري وحجم الاستثمار المطلوب فيه، وذلك في ضوء انتقال التأكيد أو الاهتمام الأساسي لينصب على الاحتياجات الاجتماعية. وعلى ما يبدو فإن روح الأمن أخذت تفقد من أهميتها إزاء الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وإزاء أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد مجتمعاً مُجنَّداً".

وتتابع "الوثيقة":
"عند إعادة النظر في سلم الأولويات القومية لا بد من أخذ النقطتين التاليتين بعين الاعتبار:
أولاً- أن ميزانية الأمن انخفضت في السنوات الأخيرة بدرجة كبيرة- من 23 % من ميزانية الدولة سنة 1970 إلى 17 % أو 18 % حالياً. وقد انخفضت الميزانية الأمنية خلال خمس سنوات بصورة تراكمية بمبلغ مقداره 17 مليار شيكل.
ثانيًا- الدور الاجتماعي الذي يضطلع به الجيش الإسرائيلي في مجال التربية والتعليم وتقديم العون الاقتصادي للجنود وحتى في مجال "تهويد" الكثيرين من المجندين.
والسؤال المطروح: هل يتعين على الجيش الإسرائيلي أن يبقى كـ "جيش الشعب"؟.
في دولة إسرائيل لا يمكن الاحتفاظ بجيش لا يقوم على التجنيد الإلزامي (أي "جيش الشعب")، إذ أن جيش المتطوعين سيكون متوسطاً أو دون المتوسط في مستواه، ولن يكون ملائماً للواقع الإسرائيلي".

هذه النتيجة تقتضيها أيضًا، وفقما يتبين في سياق الوثيقة ذاتها، بعض المحصلات التي توصل إليها "استطلاع الوطنية الإسرائيلية" الأول من نوعه، والتي عرضت في المؤتمر المذكور، ومنها ما يلي:
- هناك "نكوص في الوطنية" بمرور الأجيال. ففي صفوف الشبان (الإسرائيليين) الذين تَشكَّل وعيهم في الجيل الأخير، يُلاحظ وهن واضح في عامليّ التضحية والأصالة. وعلى سبيل المثال، فإن عدم الاستعداد للقتال دفاعاً عن الدولة لا يظهر تقريباً لدى الكبار من أبناء الجيل الذين ولدوا إبان سنوات إقامة الدولة، في المقابل يظهر عدم الاستعداد هذا لدى شخص واحد من بين كل سبعة شبان يهود (14 %)، كذلك أفاد اثنان من بين كل خمسة شبان (44 %) أنهم سيغادرون الدولة إذا كان مستوى حياتهم سيتحسن بصورة ملموسة في الخارج.
- يلاحظ وجود اغتراب في صفوف ذوي المداخيل المتدنية من الجمهور اليهودي، إذ أن هؤلاء هم الأكثر تردداً فيما يتعلق بالاستعداد للمحاربة دفاعاً عن الدولة ولا يبدي حوالي عشرهم أي استعداد لذلك (9 %)، كذلك يبرز لديهم إحجام واضح عن وصف أنفسهم كـ "وطنيين متحمسين".
وفي ضوء الأجندة الاقتصادية- الاجتماعية للحكومة الحالية، كما للحكومة السابقة، التي تفيد بانتفاء الرغبة والميزانيات لإيقاف التدهور المتسارع للوضع الاقتصادي- الاجتماعي، فإن الأمن هو الملاذ المرتجى لتمتين أواصر "اللحمة الوطنية" ولصبغ "الروح الإسرائيلية".

أمّا بالنسبة لماهية العلاقة بين المستويين العسكري والسياسي فليس من شأن ما قيل على لسان يعالون أن يشي بوجود خلاف يصل إلى حدّ التناحر بينهما، سواء فيما يخص المثال العيني الذي أورده أو فيما يتعلق بتاريخ هذه العلاقة على مرّ سنوات وجود إسرائيل.

وللمعلومية فقد سبق لرئيس مركز "يافه للدراسات الإستراتيجية"، أن رأى أن الوضع في إسرائيل على هذا الصعيد خطير وغير سليم، ذلك لأن الجيش يحتكر لنفسه مهمة تفسير الواقع (وإن كانت الأمور غير محددة بهذا الشكل بموجب ما ينص عليه القانون). وأضاف: في الوقت الحالي نجد أن شعبة الاستخبارات العسكرية مطالبة بتجاوز مجال عملها- التقويم الاستخباري للوضع- والقيام أيضاً بإعداد وتقديم تقييم للوضع القومي العام. وكان خبير إسرائيلي آخر أشار إلى أن مثل هذا الوضع غير قائم في أية دولة ديمقراطية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018