الإبحار على «الجزر الأمنية»../ محمد علي الخالدي*

يبدو أن البعض يريد أن يعيد وضع الفلسطينيين في لبنان إلى نقطة الصفر أو إلى ما تحت الصفر، أي إلى ما كان عليه في الخمسينيات وأوائل الستينيات.. نحن نسمع كل يوم تقريباً عن شبان فلسطينيين اعترضتهم عناصر أمنية لبنانية وأشبعتهم ضرباً وإهانات. وفي الوقت نفسه تزداد حوادث الاحتكاك والتلاسن بين طلبة الجامعات اللبنانيين والفلسطينيين على خلفيّة اتهام الفلسطينيين بالتآمر على لبنان والتحريض على الفتنة.

لا ريب أن السبب الرئيسي من وراء هذه الهجمة الجديدة ـ القديمة على مدنيين فلسطينيين أبرياء هو ما يجري من أحداث في مخيم نهر البارد وفي الشمال عموماً. بيد أن كل التقارير الصحافية تؤكد أن أعضاء مجموعة «فتح الإسلام» الذين يقاتلون الجيش اللبناني ينتمون في الغالب إلى جنسيات شتى غير فلسطينية، لا بل تؤكد بعض تلك التقارير أن نسبة كبيرة من أعضاء هذه المجموعة هم من اللبنانيين. أما تصريحات المسؤولين والسياسيين اللبنانيين فجميعها تقريباً تشدد على أن هذه الجماعة «لا تمتّ بصلة إلى القضية الفلسطينية». لماذا إذاً «فشّة الخلق» هذه ضد المدنيين الفلسطينيين؟

قد يقال إن إلقاء اللوم، ولو جزئياً على الفلسطينيين وعلى سكان المخيمات تحديداً هو أمر طبيعي، لأنهم هم الذين سمحوا لتلك المجموعة بالتمركز بينهم، جاعلين من المخيم مأوىً آمناً لهم. والجليّ الواضح أن هذه الجماعات لم تطلب الإذن من سكان المخيمات ولم تدخلها برضاهم ولم تجد قبولاً يذكر في صفوفهم. كيف أتوا إذاً، ومن أين؟

نترك للزمن أن يجيب عن هذا السؤال، هذا إذا أجاب عنه أصلاً. إذ يبدو من تطور الأحداث أن بعض الأطراف السياسية المحلية متورطة في هذا الموضوع. لكن إذا لم تكن القضية فلسطينية في الجوهر، فلماذا اتخذت المخيم الفلسطيني قاعدة لها وانطلقت منه؟

إن الجواب الذي يعطيه الكثير من المعلقين هو أن المخيمات قد أضحت «جزراً أمنية» كما في العبارة السياسية المألوفة، والمقصود طبعاً أنها جزر غير آمنة في بحر من الأمان. والحقيقة أن المخيمات ليست معدومة الأمن، ولا لبنان نفسه آمن تماماً. فلماذا درجت هذه التسمية على المخيمات؟

عندما بدأت الأزمة الراهنة رددت العديد من وسائل الإعلام، وخصوصاً الغربية منها، مقولة أن الجيش اللبناني وقوى الأمن ممنوعان من الدخول إلى المخيم، وذلك بموجب اتفاقية القاهرة التي أُبرمت بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية عام 1969. والحقيقة أن مجلس النواب اللبناني ألغى هذه الاتفاقية في أيار 1987، أي منذ أكثر من عشرين سنة.

لا بد أيضاً من التذكير بأن الجيش اللبناني يتمركز على مداخل معظم المخيمات ومخارجها، وهو يراقب الداخلين والخارجين. أما عناصر قوى الأمن الداخلي فهم يدخلون المخيمات بين الحين والآخر للقبض على المشتبه فيهم أو لملاحقة الفارين من العدالة وإلى ما هنالك. لماذا إذاً شاعت تسمية المخيمات «بالجزر الأمنية» ما دام الجيش يقف على أبوابها وقوى الأمن تدخل إليها عند الحاجة؟ لأن السلطات اللبنانية على مرّ الزمن اختارت أن تتصرف حيال المخيمات كأنها خارجة عن سيادتها، وذلك لربما للأسباب التالية:

أولاً: اعتبار المخيمات جزراً أمنية يمكّن السلطات والأجهزة من التخلّي عن مسؤوليتها عند وقوع جرائم لا تستطيع ضبطها، فتعزو ذلك إلى أن المجرمين أتوا من المخيم، وتدعّي تبعاً لذلك استحالة أو صعوبة ملاحقتهم وجلبهم إلى العدالة.

ثانياً: إن اعتبار المخيمات خارجة عن السيادة اللبنانية يسهّل عملية التنصّل من أية مسؤولية إنمائية وإنسانية وقانونية تجاه سكان تلك «الجزر». إذا كانت المخيمات جزراً لا تخضع للسيادة اللبنانية فالسلطات اللبنانية غير معنيّة بإعطاء سكانها حقوقهم، تماماً كأنهم سكان جزر في البحر خارج المياه الإقليمية اللبنانية.

ثالثاً: إن إبقاء المخيمات على حالتها الراهنة من شأنه أن يخدم كل مَن يودّ أن يشعل فتيل الفتنة في لبنان، إذ إن أي طرف يريد أن يزرع طابوراً خامساً في ربوعه بإمكانه أن يفعل ذلك في المخيم وينفي أنه قد فعل لأن المخيم ليس رسمياً تحت سيطرة أي من الأطراف المتنازعة على السلطة في لبنان. ويمكن أي طرف اليوم، خارجياً كان أو داخلياً، معارضاً كان أو موالياً، أن يشعل فيه نار الفتنة ثم يعود لينفي ذلك بحجة أن المخيم لا يخضع لسيطرته.

من هنا فإن جميع الأطراف، لبنانية كانت أو غير لبنانية، قد جعلت من المخيمات جزراً أمنية خارج السيادة اللبنانية، وذلك خدمة لمصالح معينة. لكن بات من الواضح اليوم أن الظروف الراهنة لا تسمح باستمرار هذه الأوضاع. لذا يجب على جميع الأطراف اللبنانية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه المخيمات وسكانها، بما في ذلك منح السكان حقوقهم بالكامل. فالعيش بكرامة هو وحده الذي يؤهل الفلسطينيين للعودة، أمّا استمرار الحال على ما هي عليه فلا يقود إلاّ إلى المزيد من اليأس والعنف والفوضى. من واجب الحكومة إذاً أن تضطلع بهذه المسؤولية لكي يتمكن سكان المخيمات من «الإبحار» عن تلك «الجزر» والعودة إلى بيوتهم في فلسطين.

"الأخبار"

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص