الاعتدال العربي!../ ناصر السهلي

التوصيف الذي باتت بعض الدول العربية تقبله على نفسها يحمل وبلا أدنى شك توصيفا متناقضا يُطرب له المخطط الغربي المتعامل مع القضايا العربية إنطلاقا من مصالحه ولا شيء غير مصالحه... إذن، قبولها أن تسمى "دول الاعتدال" يعني بالضرورة أنها تقف ضد دول" التطرف" (أو اللاإعتدال)، ففي الفترة الاخيرة أصبح المصطلح يردد بشكل علني على لسان الناطق الرسمي لتلك الدول التي إبتلعت طعم رايس وبوش لمسميات تقسيمية تجزئ وتحد من فعالية موقف القاسم المشترك لمجموع الدول العربية...

هذه الملاحظة لا تتوقف عند حد التوصيف، بل تعدته الى إتخاذ مواقف علنية وسرية بحق قضايا عربية ملتهبة تتسم في معظمها بحالة من اللامبالاة او الوقوف موقف المتفرج او المتوسط او الضاغط، رغم الادعاء بأن تلك القضايا تؤثر على "الامن القومي او الوطني" لدول الاعتدال... بل قد تجر التصريحات التي يُطلقها أقطاب هذا المعسكر الاعتدالي مزيدا من المواقف المشرذمة لاي جهد عربي باتجاه البعض القليل من التأثير على مجريات الاحداث في كل من فلسطين والعراق ولبنان... عدا عن القضايا الاخرى التي يلاحظ فيها غياب عربي جماعي!

ففي القضية الفلسطينية، وبالرغم من التحفظ المنطقي على الاتفاق الثنائي في مكة بغياب بقية الاطراف الفلسطينية الفاعلة على الساحة الفلسطينية، يقف الانسان في حيرة من أمره حين يصل الاعتدال حدود اللامعقول في الطلب من السياسة الفلسطينية أن تنحني أكثر أمام شروط مذلة وشروط لم تؤد في التجربة السابقة الا الى مزيد من التعنت الصهيوني وذهابه نحو علنية تستهزئ من العرب والمسلمين مجتمعين في محاولات تعزيز الاستيطان والاعتداء على القدس لاستكمال تهويد المدينة، دون أن يكون للاعتدال العربي الذي يقيم أفضل العلاقات مع الكيان الصهيوني سرا وعلنا...

الانحناء المطلوب في فرض شروط عربية تعجيزية تحت بند الاعتدال باسم الرباعية الدولية(الامريكية البطانة) ورباعية عربية لم يكن لها من المواقف ولا حتى الصوتية من قبل، فقبل أن يتخذ الاتحاد الاوربي موقفا من تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية وبالرغم من إبداء العديد من الدول الاوربية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا وروسيا مواقف تدعو إلى كسر الحصار الذي كان وزراء الخارجية العرب قد تبنوه دون أن ينفذوه في القاهرة، توالت مواقف ما يسمى الاعتدال العربي الى الطلب من الفلسطينيين الالتزام بشروط الرباعية الدولية... والعربية... وكأن الشعب الفلسطيني الذي يعيش حصارا مزدوجا بقي لديه ما يقدمه إرضاء لسياسة العنجهية والتطرف الاسرائيلية المدعومة صراحة من حليف دول الاعتدال في الادارة الامريكية... ومن غير المفهوم ما علاقة قادة الاجهزة الامنية الاستخباراتية بقضية تطبيق إتفاق فلسطيني- فلسطيني لتجتمع رايس بهم في عمان!

ثم إنطلقت التصريحات من هنا وهناك على لسان قادة وساسة عرب عبر الصحافة الدولية والاسرائيلية لتقدم صورة اخرى غير الصورة التي يُعلن عنها، لتزداد مأساة وملهاة السياسة العربية المنشغلة في معرفة الاتجاهات والبوصلة الامريكية لتبني عليها المواقف...

"الاعتدال" في المواقف التي يسوقها البعض العربي غير قابلة للكثير من التأويل والتفسير، فمنها يُستشف بأن المطلوب موقف فلسطيني مجاني يقبل بما تقبل به إسرائيل عبر التركيز على مواقف سياسية محددة دون الالتفات لما في جعبة الاحزاب الصهيونية من سياسات تطبق على الارض، ومنها تلك الرافضة اصلا لوجود الشعب الفلسطيني، والاخرى التي تدعو لتشريعات إبعاد الفلسطينيين بعد قضم ارضهم. بمعنى اوضح تنفيذ سياسة التطرف والترانسفير لانقاذ المشروع الصهيوني من مأزقه...

فماذا لدى الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ليقدمانه من أجل أن ترضى "الرباعية"؟
هذا السؤال من المفترض أن تجيب عليه الدول العربية التي دخلت لعبة الحصار على الشعب الفلسطيني ومعاقبته على خياراته الديمقراطية وعلى محاولاته إيقاف نزيف الدم الذي أرادته تل ابيب وواشنطن، لينشغل بمعركة إستقلاله وتحرير ارضه ومنع تهويد القدس الذي يجري تحت سمع ومرأى الرباعية الدولية والعربية وكل المسميات المدعية بأنها لا تألو جهدا للدفاع عن القضية الفلسطينية...

وبناءا عليه فإن كل تسميات مبطنة لمواقف دول الاعتدال، التي تتفاخر بتسميتها على هذا النحو، لا تفسير آخر لها سوى أنها إما تصب، أو هي، في المعسكر الامريكي وقراءته لحال المنطقة العربية وقضاياها المتشعبة والمتداخلة... والاستراتيجية الامريكية التي تعاني نزيفا حقيقيا ومؤلما وفاشلا في العراق تبحث لها عن مخارج يتداخل فيها العقلاني باللاعقلاني... فبدل أن تستغل السياسة العربية المأزق الاستراتيجي الامريكي في المنطقة من البوابة العراقية لتدفعه نحو استيعاب الدرس والاقرار (باعتدال ايضا!) بأنه لا يمكن مهما بلغت قوة أمريكا وإسرائيل فإنهما لن يستطيعا تحقيق ما يطلبانه من "سلام"... وبدلا عن ذلك نسمع من دول وشخصيات الاعتدال كلاما متشنجا عصبيا يعكس عمق الازمة التي وصلت اليها تلك السياسات الخاطئة التي إعتمدت وعلى مدى 15 عاما الكثير من الكلام عن " العملية السياسية" التي لم تجلب الا الويلات والتراجع في المكانة والقيمة والوزن للسياسة العربية التي يجري فيها التهرب من المسؤولية من خلال تحميل "التطرف" مسؤوليات كل ما يحل بالمنطقة...

وما ينطبق على القضية الفلسطينية ينطبق على الوضع العراقي الذي يطرب له بعض الاطراف العراقية المتقوقعة على نفسها والداخلة في المشروع الامريكي دخولا لا مخرج له الا بخروج الاحتلال...وهي التي تستقوي بهذا الصمت العربي، تحت بند الاعتدال، لتواصل فصول المأساة التي أدخلت بلدها فيه...

كذا الامر على الساحة اللبنانية التي باتت مرتعا لأبواق تردد جهارا نهارا كلاما لا يليق لا بالاعتدال ولا بالتطرف ... بل تصبغه لغة منحطة من التواصل العاطفي مع جمهور يصفق لشعارات وطلاسم الشرخ الذي يغذيه الادارة الامريكية ليصبح لبنان ومشاكله منذ ما قبل تأسيسه كدولة مشكلة مع سوريا لا مع الذات التي فقدت التوازن في مسائل الانتماء الوطني لمصلحة مجموعة من الاقطاعيين المتوارثين لاقطاعياتهم وجمهورهم ابا عن جد...

في النهاية يمكن القول أن الاعتدال مطلوب كتكتيك سياسي ولكنه حين يلامس الانبطاح كاستراتيجية لكسب رضا ما يسمى المجتمع الدولي أو الادارة الامريكية فإننا بكل تأكيد أمام مشهد تسطيحي ومغامرة غير محسوبة العواقب في ظل الواقع وأفق المستقبل التي نقرأها قراءة لا تصب في مصلحة هؤلاء الذين يرضون عن طيب خاطر أن يصنفوا في معسكر خاسر بكل تأكيد!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018