الاقتتال هو الحل../ د. محمد السعيد إدريس

لم يأت التوقيت “الإسرائيلي” لتنفيذ مخطط الحفريات أسفل المسجد الأقصى اعتباطياً، ولكنه توقيت محسوب ومدروس وله علاقة مباشرة بالاقتتال الفلسطيني الأحمق الذي انتهك كل ما كان يسمى ب “الخطوط الحمر” التي تلطخت بدماء قتلى أبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني، وأزاحت من أمامها محرمات أخرى وسط عويل وصراخ أهالي هؤلاء القتلى الذين سقطوا بالرصاص الفلسطيني.

“الإسرائيليون” على وعي تام الآن بأن أي جريمة يرتكبونها في حق الشعب الفلسطيني، حتى ولو كانت جريمة هدم أجزاء من الأقصى أو حتى الأقصى كله لن يكون لها ردود الفعل التي كان يمكن أن تحدث قبل عام أو عامين، وبالتحديد قبل هذا الاقتتال.

لقد جاء الرد “الإسرائيلي” محسوباً بدقة متناهية على عملية إيلات التي نفذتها حركة “الجهاد الإسلامي” وكانت تأمل من تنفيذها إسماع المتقاتلين الفلسطينيين صوتاً آخر يحدد لهم أين يجب أن تتجه البنادق الفلسطينية ومن هو العدو. خطورة هذه العملية ليس في خسائرها المنظورة، أي عدد القتلى والجرحى من “الإسرائيليين” ولا في أبعادها الأمنية باعتبارها تمثل اختراقاً هو الأول من نوعه لمنطقة إيلات التي تعتبر عصب السياحة في الكيان الصهيوني، لكن خطورتها بالنسبة ل “الإسرائيليين” أنها كان يمكن أن تحدث إفاقة للوعي الفلسطيني المتداعي، وأن تستعيد العقل والضمير الوطني لهؤلاء الذين يقتلون بعضهم بعضاً متجاهلين أو متغابين عن الانخراط المشترك في القتال الحقيقي.

لقد حرص إيهود أولمرت على أن يتحدث بغضب شديد أمام الإعلام “الإسرائيلي” والعالمي وأن يتوعد منفذي عملية إيلات ب “الرد القاسي”، وقال “تبين أن الهدوء في العمليات التفجيرية ظهر مزيفاً وسنجد الطريقة المناسبة للرد عليه وتلقين أصحابه درساً قاسياً”، لكن بينه وبين نفسه كان يدرك ما هو الرد المناسب فعلاً على هذه العملية. لقد اختار أولمرت أن يكون رده على عملية إيلات هو “الصمت” وعدم الوقوع في خطأ تحقيق ما فشلت العملية نفسها في تحقيقه، وهو وقف الاقتتال الفلسطيني وإفاقة المتقاتلين على حقيقة أن العدو مازال هو “إسرائيل”.

كان أولمرت يريد أن يعطي للفلسطينيين المتقاتلين الفرصة الكاملة لتدمير ما بقي من شرعية الكفاح والجهاد الفلسطيني، وأن يعطيهم الفرصة لخلق مصداقية لأفكار جديدة أخذت تركز هذه الأيام على الترويج بأن العدو ليس “إسرائيل” لا بالنسبة للفلسطينيين ولا بالنسبة لغيرهم، سواء كانوا لبنانيين أو عراقيين، وأن كل هذه الصراعات صراعات “داخلية” و”اقتتال داخلي”، وأن الظروف الراهنة باتت تفرض قناعات جديدة وهي أن “إسرائيل” لم تعد هي العدو، وأن على الدول العربية ودول اللجنة الرباعية استثمار هذا المناخ الجديد لتحقيق تقدم في عملية السلام “الأوسع” بين العرب و”الإسرائيليين” وليس بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” فحسب.

ويبدو أن الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني هو أحد البدائل، كما أن قرار اللجنة الرباعية بمواصلة الحصار على حكومة حماس إلى حين أن تستجيب لمطالب اللجنة وأهمها الاعتراف ب “إسرائيل” ونبذ “الإرهاب” جاءت لتمثل هي الأخرى ضغوطاً لفرض المزيد من الاقتتال.

إن الأمريكيين و”الإسرائيليين” باتوا على قناعة بأن هذا “الاقتتال الفلسطيني” هو “الحل” بعد أن فشلت سياسة الحصار.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018