الانقسامات السياسية أو مرض العرب الطفولي../ فيصل جلول

يرى الغربيون أن الانقسامات هي من أثر التفكير الطفولي، ذلك أن الأطفال وحدهم ينقسمون لأتفه الأسباب فيمتنعون عن التخاطب وينتشر الحسد والغيرة بين صفوفهم ويكثرون من النميمة والدس على بعضهم بعضاً. وعالم الأطفال هو بالتعريف عالم قيد التكوين للانتقال إلى عالم الرشد والإدراك، لذا تعمد الدول الغربية إلى بذل جهود وطنية جبارة من ضمنها صرف موازنات ضخمة على إعداد معلمين ومربين ينقلون أطفال هذا البلد أو ذاك إلى مرحلة الرشد، أي إلى عالم تنتظمه آليات وقوانين وضوابط يصعب فيه أن تسقط البلاد في مخاطر جراء تعكر مزاج الحاكم أو غضب هذا المسؤول أو حقد ذاك. وأقول يصعب أن يقع شيء من هذا القبيل لأنه إن وقع سيبدو أمرا خارج المعقول ولأن الوعي الرادع لدى العامة مؤسس على ثقافة راشدة لا تسامح فيها مع ظواهر الخفة والتهور.. الخ.

لا يدعي الغربيون أن بلدانهم مجردة من الانقسامات، بل قد تصل عندهم إلى درجات خطيرة ومصيرية، غير أنهم يتوصلون إلى تنظيمها وضبط مفاعيلها بوسيلتين أساسيتين الأولى تكمن في ثقافة المساومة التي تتيح حلولا متناسبة مع القضايا الخلافية وهو ما نلمسه في تشكيل الاتحاد الأوروبي الذي يتقدم في سياق الانقسام والاختلاف، والثانية تكمن في السيطرة على العالم. والسيطرة تشترط ضبط الخلافات وتنظيمها من جهة لدوام السيادة وتراكم الثروات، ومن جهة ثانية حماية للذات الغربية من كل تدخل أجنبي حيث من الصعب أن تلمس تدخلا معاديا في الدول الواقعة في النطاق الغربي كما هي الحال في بلجيكا التي تنشطر قسمين وثقافتين ولغتين من دون أن تعمل أية دولة أوروبية على النفخ في نيران الخلافات بينها، أو في سويسرا التي تكاد أن تكون مجسما للغات والجماعات الأساسية في أوروبا، ومع ذلك تعتبر الأكثر بحبوحة واستقرارا في القارة العجوز بأسرها.

المدهش في مشرقنا العربي الذي تنهشه النزاعات القاتلة هذه الأيام أننا نستورد من الأوروبيين سلعهم ونستهلك منتجاتهم في حين لا نهتم باستيراد منهجهم في الاجتماع السياسي رغم أنه الأقل كلفة والأكثر منفعة، وهنا لا بد من أمثلة إيضاحية: جرت انتخابات نيابية في إسبانيا. فاز الاشتراكيون في السلطة، سحبوا وحداتهم العسكرية من العراق ما شكل ضربة خطيرة للولايات المتحدة الأمريكية، ولم تقع قطيعة بين البلدين، ولم تفتح واشنطن نيرانها السياسية على مدريد، ولم يقاطع جورج بوش رئيس الوزراء الإسباني المنتخب لويس ثاباتيرو رغم انه التقى به لبرهة في البرلمان الأوروبي وصافحه ببرود. وكذا أمر الخلاف بين فرنسا وأمريكا حول حرب العراق، فلم يمض وقت طويل حتى عاد البلدان إلى التعاون الوثيق في لبنان.

وإذا كانت البلدان الغربية التي تسود العالم تحترم خلافاتها وتضبطها تحت سقف يصعب اختراقه فمن الطبيعي أن البلدان نفسها لا تحترم الدول التي ينزل بها زعماؤها إلى الحضيض، ولا تحترم البلدان التي لا تكف عن التآمر على بعضها بعضاً منذ نشأتها، كما هي حالنا نحن العرب، لذا تتدخل في شؤونها وتباعد بين مكوناتها وتحرضها بنجاح على بعضها بعضاً وتنظم حروبا طائفية في مجتمعاتها وتفعل ما تشاء بها.

من يردع الغرب عن التدخل في شؤوننا وهو يرى بأم العين سلوك بعض العرب السياسي ينفجر أمام ملايين المشاهدين في اللقاءات الرسمية والسياسية؟ لماذا يحجم الغرب عن التدخل في شؤوننا وعن إشعال الفتنة في بلداننا إلى الحد الذي يهدد أسس وجودنا؟ لماذا يحجم وهو يعرف أن أولوية هذا العربي هي الإطاحة بذاك ولو أدى الأمر إلى انهيار الأمة بأسرها؟

هل كان لبغداد أن تسقط لو لم يكن قسم وافر منا يرغب أو يعمل من أجل سقوطها؟ هل كان للعراق أن يصل إلى المصيبة الراهنة لو لم يلتزم القسم الأكبر من الأمة صمتا مطبقا إزاء التدمير الأمريكي المنهجي للجيش والدولة والنظام والقوانين والبنية التحتية في هذا البلد؟ أليس هذا ما أدى إلى تنظيم العراقيين في جماعات طائفية واثنية تحتمي من بعضها بعضاً وتدمر بعضها بعضاً بوسائل دموية بدلا من أن تحمي نفسها من المحتل وتعمل على طرده من البلاد؟ وكيف يحمى العراق من الفتنة في وقت تشاع أجواء الفتنة في كافة أنحاء العالم العربي؟

في عالم الأطفال تنسب الانقسامات والغيرة والحسد إلى نقص في التكوين، أو إلى ضعف في الرشد والإدراك، لكن ينظر إليها، أي الانقسامات، بوصفها مرحلة عابرة جديرة بأوصاف محببة أو مجاملة من نوع: براءة الطفولة أو سذاجتها. أما في عالم الكبار خصوصا أولئك الذين بلغوا من العمر عتيا فمن المضحك المبكي تفسير الانقسامات ومختلف ظواهر الطفولة السياسية بوصفها مرحلة تكوينية عابرة بريئة وساذجة، لأن الأمر ببساطة تامة يتعدى المزاح الأسود إلى مصير أمة عربية ما برحت منذ قرن مضى تبذل التضحيات تلو التضحيات وتسعى لمراكمة إنجازات تراها الآن تكاد تنهار أمام ناظريها.

"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018