البيت الأبيض والكونغرس: حرب قوانين باردة من طراز خاص!../ مأمون الحسيني*

ثمة مؤشرات متزايدة على أن الحرب الباردة التي بدأت بين الرئيس الأميركي جورج بوش والكونغرس ذي الأكثرية الديموقراطية، انطلاقاً من التصويت الأخير لمجلس النواب بغالبية 246 صوتاً، على قرار غير ملزم، يعترض على إرسال جنود اضافيين للعراق، مرشحة للمزيد من السخونة في المرحلة المقبلة التي يتوقع أن تكون متخمة بالتحديات ذات الطبيعة الاستراتيجية، والتي ستؤسس لشكل ومضمون النظام الدولي المقبل، ذلك أن قرار المجلس هو بمثابة التحدي الأول الذي يطلقه الكونغرس ضد البيت الأبيض في موضوع الحرب الذي يلقى معارضة واسعة في أوساط الأميركيين (63 في المئة)، ويذكّر بتصويت السلطة الاشتراعية عام 1970 لسحب الموافقة حول حرب فيتنام أيام الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون، وذلك على رغم إخفاق مجلس الشيوخ في حشد الأصوات اللازمة لمناقشة القرار بفارق أربعة أصوات. القرار الذي قالت زعيمة الديموقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي انه «ينبغي أن يرسل اشارة واضحة وقوية الى رئيس الولايات المتحدة تفيد بأن الأميركيين يريدون توجهاً جديداً في العراق»، يمهد الطريق، وفق العديد من المراقبين، لصدام أكثر مرارة بين الكونغرس والإدارة. والمطروح راهنا، حسب عدد من النواب الديموقراطيين، هو فكرة قرار يتناول الصلاحيات الممنوحة لبوش من قبل الكونغرس في تشرين الأول (اكتوبر) 2002 بغالبية كبيرة بشأن العراق، والتي تتيح للرئيس اللجوء، بقرار منفرد إذا احتاج الأمر، الى القوة في العراق لإزالة أسلحة الدمار الشامل، وجعل هذه الصلاحيات مقتصرة على «مهمة دعم بدلاً من مهمة قتالية» والقول بوضوح، وفق ما يشير رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ جوزف بيدن، ان هدف القوات الأميركية هو منع تنظيم «القاعدة» من التقدم، وتدريب القوات العراقية». وهو ما سيمهد للمعركة المقبلة حول طلب الرئيس بوش 99.6 بليون دولار لإنفاقها على العمليات العسكرية في افغانستان والعراق. والتي ستعيد الى الأذهان، ايضاً، تلك الصدامات بين الكونغرس والبيت الأبيض حول سلطة الحرب، مثل استخدام الكونغرس سلطاته المالية لوقف المساعدات العسكرية السرية لعصابات «الكونترا» في نيكاراغوا في ظل عهد الرئيس رونالد ريغان، والذي أفضى، بدوره، الى اندلاع فضيحة «ايران غيت».

وفي حال قرر الكونغرس تقليص تمويل الحرب في العراق، وهو ما يستبعده بوش الذي يراهن على عدم استعداد الكونغرس وضع نفسه في لعبة دستورية قاسية وذات بُعد وطني»، فإن الرئيس سيجد نفسه أمام خيارين صعبين: إما الالتزام بقرار لا يتفق معه، أو تأكيد سلطته الدستورية لرد هذا القرار، أي استخدام الفيتو الذي سيفتح معركة طويلة ومرهقة ومكلفة للإدارة، من دون استبعاد الوضع المحرج للديموقراطيين الذين وشت صيغة قرار مجلس النواب الآنف الذكر بأنهم غير مستعدين، حتى الآن على الأقل، للظهور بصورة السياسيين «غير الوطنيين» الذين يريدون سحب الدعم المالي للجنود في ساحة القتال، على رغم تعرضهم لضغط كبير من الجناح المعارض للحرب في حزبهم، وضرورة أخذهم بنظر الاعتبار ان أحد أسباب فوزهم بالغالبية في مجلس الكونغرس هو مطالبتهم بإعادة الجنود الأميركيين الى بلدهم.

وعليه، تبرز الأسئلة: هل يواصل الديموقراطيون هجومهم «الدستوري» على الرئيس بوش واستراتيجيته في العراق، والمتصلة برزمة الملفات الأخرى في فلسطين ولبنان وأفغانستان وايران وسورية وسواها من القضايا التي لا يختلف موقف الديموقراطيين حيالها عن موقف الإدارة؟ والى أي مدى يمكن أن يستجيب الرئيس لهذه «الانذارات» الديموقراطية غير الحازمة؟ وهل يمكن للبيت الأبيض مقايضة الإصرار على الفشل في العراق برشوة الـ «كابيتول هيل» ببعض المواقف المرنة حيال قضايا تم إهمالها بشكل كامل خلال ولاية بوش الأولى، مثل الاحتباس الحراري العالمي، وتفاوت المداخيل، والسماح بإعادة نظر المحكمة الدستورية العليا بتسجيلات سرية لمشتبه فيهم في قضايا الإرهاب، اضافة الى إيجاد مبادرات ديبلوماسية جديدة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم؟ وهل ثمة تأثير للحراك الدولي المتعلق بالبحث عن نظام عالمي جديد يضع حداً للهيمنة والغطرسة الأميركية على شكل وطبيعة محاولات كبح جماح الرئيس وادارته المفجرة للأزمات والحروب في العالم؟

ما يلمس، حتى الآن قولاً وفعلاً، لا يشي بإمكان تراجع الإدارة الجمهورية عن نهجها ووسائلها المعتمدة في العراق، وذلك على رغم الفشل الذريع الذي تواجهه الخطة الأمنية في العراق، ففي اجابته على سؤال لوولف بلتزر من شبكة تلفزيون «سي إن إن» حول إمكان استمرار السياسة الاميركية المتبعة في العراق، أجاب نائب الرئيس ديك تشيني: «نعم سنستمر في سياستنا الحالية في العراق». أما في الميدان، فإن الرئيس، الذي يبدو أنه لا يكترث ونائبه تشيني بما يقوله الكونغرس، ما زال يعمل على إفشال جهود الديموقراطيين عبر اتباع سياسة «فرق تسد» وتأليب مجلس الشيوخ على النواب، والاستعداد لمعركة طويلة مع السلطة التشريعية التي تبدو مربكة وغير قادرة على حسم موقفها بشكل واضح لا لبس فيه، ووضع الرئيس أمام قرارات ملزمة تتيح استجوابه، وحتى محاكمته وعزله بسبب اخلاله بما اقسم على المحافظة عليه، لا سيما ان هناك لائحة ضده تحتوي على نحو عشرين اتهاماً ما بين الكذب على الشعب الأميركي وارتكاب جرائم ضد الانسانية، وصولاً الى التجسس على الأميركيين انفسهم وانتهاك حرياتهم التي كفلها لهم الدستور، إضافة الى تهم أخرى مثل الحرب على الاعلام الحر والتخطيط لقصف وسائل اعلام وقنوات فضائية خارج الأراضي الاميركية وإلهاب وتأجيج الصراع الديني في العالم من خلال معاملة مسلمي أميركا على أنهم جواسيس.

ومع ان العديد من التحليلات ينحو باتجاه عدم ترجيح تحول دراماتيكي في السياسة الاميركية حيال العراق تحت ضغط الرأي العام والكونغرس، إلا أن ثمة عوامل ضغط اضافية لا بد من اخذها في الاعتبار عند التصدي لحدود القوة والضعف لدى الادارة ومجلسي الكونغرس، ويتعلق بالموقف والحراك الدولي، حكومات وشعوباً، من السياسة الاميركية الطاغية التي تقود العالم برمته نحو الكارثة. ففي مقابل «القنبلة» التي فجرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر الأمن والدفاع في ميونيخ، والتي اعتبرت، مع الإنذار بالتصدي لإقامة نظام رادار خاص بقاعدة الاعتراض الصاروخية الاميركية في بولندا وجمهورية التشيك، بمثابة صفارة الانطلاق نحو العودة الى الحرب الباردة، ووجدت صدى قوياً في اللقاء الروسي - الصيني - الهندي الذي دعا صراحة الى عالم متعدد الأقطاب، تقابل سياسة الرئيس بوش بسخط شديد في أوساط الرأي العام العالمي الذي يتوجس من الدور الأميركي في العالم وإدارته الفاشلة للملفات الساخنة، سواء في العراق أو افغانستان أو كوريا الشمالية أو ملف ايران النووي أو الصراع العربي - الاسرائيلي، إضافة الى ملفات اميركا اللاتينية، والعلاقة مع الصين وروسيا، والسياسات المتبعة في مجمل دول آسيا الوسطى، حيث تبدو السياسة الاميركية واضحة من حيث ايديولوجيتها غير المنتجة والتي لا تخدم سوى مصالح الاحتكارات الأميركية العملاقة، ناهيك عن الاحراج الذي سببه حليف بوش المزمن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير للادارة الاميركية، عندما أعلن نيته تخفيض عديد قواته في العراق.

ووفق البيانات التي توصل اليها مشروع المواقف العالمية الذي ينفذه «مركز دراسات المواقف من السياسات» و «مركز الدراسات الدولية والأمنية في واشنطن»، فإن المواقف السلبية من الدور الأميركي في العالم، هذه الايام، لا تقتصر على المجتمعات الاسلامية والعربية، بل ان هذه المواقف أكثر حدة في العديد من الدول غير العربية وغير الاسلامية، فمن بين الدول التي توجد فيها نسبة أكثر من 60 في المئة يرون بأن دور الولايات المتحدة في العالم هو دور سلبي تقع على كل من المانيا، وفيها أعلى نسبة من بين الـ25 دولة المشمولة في الاستطلاع (74 في المئة)، وفرنسا (69 في المئة) والارجنتين (64 في المئة) واستراليا (60 في المئة)، فيما جاءت كل من اندونيسيا وتركيا في هذه المجموعة بـ71 في المئة و69 في المئة على التوالي.

أما المجتمعات العربية المشمولة بهذا الاستطلاع العالمي فهي مصر والإمارات ولبنان، وتتساوى مع كل من روسيا والبرازيل وبريطانيا والبرتغال وكوريا الجنوبية والمكسيك والصين وتشيلي، وهي دول ومجتمعات لبعضها علاقات تحالف قوية جداً مع الولايات المتحدة مثل بريطانيا وكوريا الجنوبية التي لها قوات مرابطة في العراق الى جانب الجيش الأميركي وهي دول أعضاء في الناتو كما هو حال فرنسا واستراليا وتركيا.

هذه البيانات النظرية والنتائج الفائقة الدلالة تدحض بشكل لا لبس فيه كل الدجل الانتقائي العنصري الذي يروجه بعض «المحافظين الجدد» حول إحالة تعارض الرأي العام العربي مع سياسات الولايات المتحدة الى الايديولوجيا الدينية المرتكزة على الإسلام وموقفه المعادي للديموقراطية والحرية والأفكار الليبرالية (...)، وتجاهل هؤلاء لحقيقة أن موضوع الخلاف بين الرأي العام العربي والولايات المتحدة يرتكز بالأساس الى خلافات سياسية لها علاقة بالصراع العربي - الاسرائيلي والاحتلال الأميركي للعراق. وهي خلافات حول مفاهيم العدالة وحقوق الانسان، وتسحب نفسها على المجتمعات الأخرى التي تتخذ مواقف مناهضة للسياسات الأميركية. غير أن كل هذا الوضوح في مواقف الرأي العام العالمي لم يصل بعد الى أسماع «المحافظين الجدد» ولم يوقف دعواتهم التي تنادي بفرض هيمنة الولايات المتحدة على العالم بالقوة العسكرية، وأبرز تجليات هذا الصلف غير المسبوق هو ذلك العناد الذي يبديه الرئيس بوش ونائبه حيال استراتيجية القوة ومحاولات فرض الهيمنة على العالم، على رغم كل الخسائر والفشل المتحرج.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018