التحريض لا يستهدف إلا الشخصية القومية ومدلولاتها العملية/ عوض عبد الفتاح

يظن بعض العرب في الداخل أنه بمجرد خفض وتيرة التصريحات والخطوات التي تعبّر عن ارتباط الفلسطينيين في إسرائيل بهويتهم الوطنية والقومية يمكن أن يغيّر السياسة الإسرائيلية الرسمية ومواقف الشارع اليهودي تجاههم.

وكما هو معروف فإن هذه التصريحات والخطوات يتم التعبير عنها بالمساندة والدعم السياسي والشعبي والمادي لشعبنا الفلسطيني وقضيته / قضيتنا الوطنية، والتواصل مع العالم العربي. وهو امتدادنا الحضاري والثقافي الطبيعي. ويظن هؤلاء أنه بالإمكان الإحتفاظ بالهوية العربية والحصول على حقوقنا - المدنية بدون هذا الدعم وبدون هذا التواصل. وحين تكثر قيادات حزبية عربية وطنية بما فيها أعضاء كنيست من التصريحات المؤيدة للحق الفلسطيني، وهذا واجب، أو يقوم بعض هؤلاء في زيارات لدول عربية تعتبرها إسرائيل دولاً عدوة، يخرج علينا هؤلاء، من ممثلي جمهور ومواطنين عاديين، بالقول أننا لسنا بحاجة لأن نُعطي إسرائيل ذريعة لحجب الحقوق عنا.
وفي ضوء ذلك أجد الحاجة للتذكير والتشديد على الملاحظات التالية:

أولاً: إن هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني الذي تحول الى أقلية في وطنه، نظرت اليه الدولة العبرية باعتبار بقاءه كان خطأ استراتيجياً. وظلت أوساط فيها تحلم بإمكانية نشوء ظروف لطرده لتحقيق الدولة اليهودية الخالصة. إلا أن الظروف السياسية الإقليمية والدولية التي تطورت لاحقاً جعلت هذا الخيار غير ممكن عملياً، وإن بقيت أصوات داخل المؤسسة تحمل هذا الفكر كجزء من برنامجها (زئيفي - إيتام وغيرهما) وهو أمر لا يجوز التقليل من خطورته.

ثانياً: عشرات القوانين العنصرية سنت خصيصاً لتكريس يهودية الدولة وتكريس وشرعنة التمييز ضد المواطنين العرب حتى قبل أن تنشأ الأحزاب العربية الوطنية والقومية وقبل أن ينهض الوعي الوطني والسياسي الشامل عند العرب في الداخل، ولم تتحقق العديد من الإنجازات الهامة، ولم تتراجع المؤسسة الإسرائيلية عن العديد من سياساتها العنصرية إلا بعد نشوء الأحزاب العربية الوطنية وإشتداد نضال المواطنين العرب من أجل وجودهم وحقوقهم والحفاظ على هويتهم الوطنية. بل إن أسوأ حال عاشها عرب الداخل حين كانوا يصوتون في أغلبيتهم للأحزاب الصهيونية بتأثير إرهاب الحكم العسكري الذي انتزع منهم أرضهم وكرامتهم وتركهم دون أدنى الحقوق.

ثالثاً: حافظ أغلب المواطنين العرب على ارتباطهم العاطفي مع العالم العربي عبر التواصل معه ليس مباشرة بل عبر الإذاعات الوطنية التي بثت خطابات عبد الناصر الحماسية وأخبار المعارك الوطنية ضد القوى الإستعمارية التي اعتدت على مصر وغيرها. وليس صدفة أن المخابرات الإسرائيلية جهدت لمنع استماع المواطنين العرب لإذاعة صوت العرب ولكن دون جدوى.
بطبيعة الحال، هذه الأجواء سهّلت على قوى سياسية وطنية محلية العمل بين المواطنين العرب وساهمت باتجاه وضع الأرضية لتنظيمهم السياسي فيما بعد وصولاً الى الوضع الحالي.

رابعاً: كان في صلب استراتيجية الدولة العبرية تجاه "الأقلية الفلسطينية" مسخ هويتها الوطنية، بعد فشل الترانسفير، وتمرير ما يسمى هوية عربية اسرائيلية، وهي ليست اسرائيلية ولا فلسطينية، بل هي مسخ أو شخصية عربية مشوهة تخدم في نهاية المطاف الإستراتيجية الصهيونية.
إن الأعضاء العرب في الأحزاب الصهيونية هم النتاج الطبيعي لهذه السياسة العنصرية ذات الطابع الإستعماري. والعرب الصهاينة ظلوا متمسكين بمقاعدهم داخل هذه الأحزاب التي شاركت في ذبح اللبنانيين والفلسطينيين في الحرب الأخيرة على لبنان وفلسطين دون أن يشكل ذلك أي إحراج لهم.
بطبيعة الحال بالإمكان إيجاد أنماط بشرية عربية تنطبق عليها هذه المواصفات خارج الأحزاب الصهيونية؛ موجودين في الإعلام، في الأكاديميا، وفي الحكم المحلي. وهؤلاء لم يجلبوا للمواطنين العرب أي إنجاز سوى العار. والذي صنع الإنجازات لعرب الداخل هي الأحزاب العربية الوطنية وليست الأحزاب الصهيونية وعملاؤها العرب.

رابعاً: الكثير من القوانين هي عنصرية سافرة سنت خصيصاً ضد العرب. آخرها قانون المواطنة الذي يمنع الفلسطيني من الزواج من فلسطينية أو العكس حتى لا تهدد يهودية الدولة ونقاءها العرقي.
وقانون منع الزيارات لسوريا الذي سن عام 2001 هو قانون عنصري هدفه منع التواصل بين العرب في الداخل وأقاربهم اللاجئين في سوريا. لأن إسرائيل تعرف أن هذا الأمر يؤدي ايضاً الى تعزيز العلاقات القومية بين أبناء الأمة العربية الواحدة، وأزعجها كثيراً فتح الباب أمام العرب الدروز للتواصل مع إخوانهم ومع أمتهم العربية مما يعني تهديد سياسة تحطيم الهوية العربية للدروز الذين تفرض عليهم التجنيد الإجباري.
ترى هل يجب أن يسكت المواطنون العرب على هذه القوانين العنصرية!!

تشن إسرائيل حملة شعواء على القيادات الوطنية كما فعلت في السابق، بسبب زيارة وفد التجمع لسوريا. ويُصاب بعض المواطنين العرب بالرعب، ويظنون لأول وهلة أن السماء ستطبق عليهم جراء ذلك. وهذا هو بالضبط هدف الحملة الإسرائيلية: إرهاب، تخويف، وفصل المواطنين عن قضاياهم اليومية النابعة من التمييز القومي ضدهم أي كونهم عرباً.

هل تذكرون الحملات السابقة ضد القيادات العربية عندما كانوا يتحدّون قوانين المصادرة وهدم البيوت. فيتم الإعتداء على القيادات بالضرب ويتهمونها بتحريض الشارع العربي، وكأن هذا الشارع يحتاج الى من يحرضه للثورة ضد السياسة الجهنمية التي تنفذها إسرائيل يومياً ودون أن ينتبه الكثيرون منا والمنشغلون في همومهم اليومية. ترى هل يهدمون كل أسبوع عشرات البيوت في النقب، في المثلث والجليل، ويصادرون الأرض، ويحاصرون القرى والمدن العربية، ويحجبون الميزانيات عن البلدات العربية لأن العرب متطرفون أو لأنهم يزورون أهلهم في سوريا.

الهدف الإستراتيجي للمؤسسة الإسرائيلية هو منع تبلور شخصية عربية قومية متكاملة ومتوازنة، وبالتالي منع تبلور أقلية قومية عربية متماسكة لها رؤيتها السليمة لموقعها ولعلاقاتها القومية، تستطيع من خلالها انتزاع حقها في ثروة البلاد ومواردها ونفوذها السياسي وهي ثروات وموارد مادية وسياسية تحتكرها وتُهيمن عليها الدولة اليهودية، تستخدمها في عدائها وعدوانها ضد المواطنين العرب، وشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية.

صحيح أن الأمر يحتاج الى المعرفة والحكمة في إدارة الصراع مع المؤسسة الإسرائيلية وهذا أمر جد هام. وبالإمكان الإختلاف على الجوانب التكتيكية. ولكن هناك من يتذرع بالحكمة لتبرير التخاذل والتنصل من المواقف القومية الأصيلة والتنصل من ضرورة العمل الكفاحي الجدّي المنظم وهو أمر نفتقده الآن. ولهذا السبب تمعن المؤسسة الإسرائيلية في هدم البيوت وسلب الأرض وحصار القرى والمدن العربية مالياً وإستيطانياً. ألم يحن الوقت الى العمل الجدي الجماعي الى مأسسة كل ما تقدم؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018