التحوّل… بوش يحاور نجاد.. / عبد اللطيف مهنا

نعم هي نوع من المناورة، لكنها تعكس تحوّلاً واضحاً… تلك هي الموافقة الأمريكية على الانضمام للترويكا الأوروبية في التفاوض مع إيران حول ملفها النووي. تمهيداً لذلك، اجتمعت الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن وسادسهم ألمانيا في فيينا، ليخرجوا بما دعوه رزمةً من الحوافز، المشفوعة أيضاً برزمة أخرى من التهديدات… إنها ذات الحوافز التي سبق وأن وصفها منسق السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي خافير سولانا، بأنها "جريئة بما يكفي وسخية بما يكفي"!

ورغم أن الأمريكان سربوا، وقبل إذاعة كنه هاتين الرزمتين، أنهم قد حققوا "إتفاقاً جوهرياُ" مع الصينيين، وكانوا قد أوحوا قبل ذلك بليونة في الموقف الروسي إزاء ما يريدونه من "مجتمعهم الدولي"، إلا أن الأمور لم تتضح بعد إزاء مضمون وكنه مثل هذا "الاتفاق الجوهري"، وإلى مدى يتفق مع ما تحاوله الولايات المتحدة تجاه الملف النووي الإيراني.

ومع ذلك، فهذا الـ"غير المتضح" ينسحب أيضاً على تعقيب بهذا الخصوص للرئيس بوش يقول: في حال تأكد الرفض الإيراني (لرزمة فيينا) فإن المجتمع الدولي سيتحرك "متضامناً"!

وإذا كان الإيرانيون قد قالوها سلفاً، وعلى لسان وزير الخارجية متكي: أننا "لن نفاوض على حقوقنا الثابتة المشروعة"… أو بلغة أخرى ليس في واردنا ما يعرف ب " الخيار الليبي"، فيبقى السؤال هو : وما هي الخطوات التالية لهذا "المجتمع الدولي"، الذي هو ليس سوى الغرب بالإضافة إلى الروس والصينيين... وعليه، وفي هذه الحالة، ما هو كنه حركته المتوقعة، التي يشير إليها الرئيس الأمريكي، وإلى أي مدى سيكون تضامنه وفق تعبيره؟!

الروس سارعوا إلى القول على لسان الرئيس بوتن بأنه من السابق لأوانه الحديث عن فرض عقوبات إقتصادية على إيران... إذن لا إجابة حاسمة على ما يبدو تتوفر حتى الآن على الأقل لدى الأمريكان… لكن المهم هو أن التحول قد وقع، والأمريكان ومن معهم في الاتحاد الأوروبي يحاولون عبر ما يتوفر لهم من ضروب الضغوط والمساومات التأثير على الروس والصينيين، لتسهيل مهمة مفاوضي الترويكا والمايسترو، أو من انضم أو سينضم إليهم مباشرة بعد أن كان يفاوض من خلف كواليسهم، أي الولايات المتحدة نفسها… المطلوب صفقة مع إيران، ربما تلحظ التفاهم على جوانب عدة، بدءاً بالاقتصاد والأمن وحتى الدور الإقليمي، فالمهم هو إيقاف أو إعاقة برنامجها النووي…

لماذا هذا التحول؟
وكيف لقوة عظمى رفضت حوار حضارات الرئيس الإيراني السابق خاتمي أن تستجب لتحدي الرئيس الحالي نجاد؟!
الإجابة بسيطة… بلغت القوة مداها، وقد وصلت قدرتها الهائلة على التدمير حدها، فاصطدمت من ثم العجرفة ذات النزوع الإمبراطوري بالواقع المحلي في البلدان المستهدفة، وكذا ردود الأفعال الكونية، فاتضح جلياً العجز عن إخضاع ما اختار الأمريكان إخضاعه من شعوب مشاكسة فيما كانوا قد تصوروه مزرعتهم الكونية، حيث أدرك الكثيرون في العالم، مثلهم مثل هذه الشعوب الرافضة للخضوع وحتى نخب من الأمريكان أنفسهم، أن المشروع الاستباقي الكوني للإدارة الأمريكية في أولى خطواته المتسارعة باتجاه الاحتضار… والأهم: أن قلق الشارع الأمريكي، الذي أيقظته الكلفة المادية والبشرية والمعنوية وحتى الأخلاقية لتعثر هذا المشروع، خصوصاً، في أفغانستان والعراق، قد دق، أقله، ناقوس الخطر الانتخابي، فسمعه جيداً الحزب الجمهوري الحاكم، وبالتالي ليس للإدارة المتخبطة فيما جره عليها جموح محافظيها الجدد أن تتجاهل دقات مثل هذا الناقوس النذير… إذن، ومكره أخاك لا بطل، المطلوب اليوم هو نوع من محاولة ملاقاة إيران في منتصف الطريق… بدا هذا واضحاً في إخراجها ضمناً من "محور الشر" عبر الجنوح إلى مفاوضتها مباشرة، حاملين معهم لملاقاتها سلة جزر متخمة بالحوافز وفي اليد الأخرى عصا العقوبات التي تظل المحتاجة إلى "اتفاق جوهري" يبدو صعباً مع الدب الروسي والتنين الصيني، اللذين يظلان عيناهما واحدة على مصالحهما الكبيرة مع الإيرانيين والأخرى على تقاطعاتهما أو مداراتهما أو حتى مصالحهما المتشابكة مع هذا القطب الأوحد المتضررين من تفرده بقرار العالم وبلطجته، والطامحين كمركزين كونيين واحدهما يستعيد عافيته والآخر يصعد قدماً بثبات، في أن يشهدا في أقرب زمن ممكن يوم تأبين حقبة أحادية القطبية، هذه التي يتململ تحت نيرها الاستباقي معهما العالم كله.

إذن هناك تحوّل أمريكي ما تجاه الملف النووي الإيراني… هذا التحول يطرح جملة أسئلة حول السياسات الخارجية الأمريكية، منها:
هل ينسحب ذلك على الملفين الأفغاني والعراقي؟
بمعنى، هل نحن نقترب من مفاوضات أمريكية مع طالبان، وأخرى مع المقاومة العراقية؟

كثيراً ما سمعنا عن مثل ما يشبهها قد تمت محاولته عبر طرف ثالث أو ما شابه، لكن ليس هذا هو المقصود هنا، بل المقصود هو تفاوضات مباشرة تحاكي الخطوة الأمريكية الأخيرة أو ما دعوناه التحوّل في التعامل مع من أصبح ضمناً خارج تصنيفات "محور الشر"؟

الأمريكان، دائماً، براغماتيون ، وجاهزون عند الضرورة لهكذا تحوّلات، لاسيما إذا ما أكرهوا عليها، ونظرة متفحصة إلى الحالتين الأفغانية والعراقية اليوم ترجح ذلك.

… في أفغانستان، لم يعد الملا عمر مطارداً بقدر ما هو قد غدا يطارد من يفترض أنه كان يطارده، ونعني من جاء إلى السلطة مع الغزاة وعقب انهيار حكومة الملا، أي ريئس النظام الحالي قرضاي… بمعنى أن طالبان التي أعادت تنظيم صفوفها مستفيدة من دروس تجربتها السابقة واللاحقة على غزو أفغانستان ، أصبحت تطل يومياً عبر شبكات التلفزة من خلال عملياتها المنتشرة، ليس في الجنوب البشتوني وحده، وإنما في الشرق والغرب وحتى أحياناً في الشمال، كما أن ضواحي كابل نفسها قد أمست عرضة للزيارات الطالبانية المفاجئة، وأصبح الملا داد الله الناطق العسكري باسمها يلتقي المراسلين في سفوح الجبال متحدثاً عن الانتصار الذي يراه وشيكاً، ومفاخراً بتبادل الخبرات القتالية مع المقاومة العراقية… وبمعنى أن نظام الرئيس قرضاي الحليف للولايات المتحدة، والذي تحميه الآن داخل ما يبدو حصنه الوحيد المتبقي له، أي كابول، تنخره راهناً صراعات أمراء الحرب وفساد تجار المخدرات، فانفض الأفغان من حوله، ووصلت به الحال مبلغاً من الضعف قارب ما يشبه الفشل حتى في السيطرة على العاصمة الأفغانية. لقد ظهر ذلك جلياً إبان ما عرف مؤخراً بانتفاضة كابل إثر حادث دهس دبابة أمريكية لسيارة ركاب أفغانية،وما تبع ذلك من ردة فعل أفغانية شعبية عفوية، لكنها كانت المعبّر بعمق عن موقف شعبي عام معاد للاحتلال، ومتحد له وللسلطة التي أقامها، كاشفاً بالتالي عن وصول المشروع الأمريكي الأفغاني إلى طريقه المسدود… وكان مؤشراً لا يمكن إلا الوقوف أمامه، وتمثّل في أن الأفغان الذين حصد الأمريكان وحلفائهم منهم في دقائق عشرين شهيداً وأكثر من مائة جريح، كانوا يهتفون وهم يواجهون بالحجارة الرصاص: "الموت لأمريكا الموت لقرضاي والشرطة"!!!
والأهم أن هذه المجزرة وهذه المواجهة قد وقعتا في البداية في حي طاجيكي من أحياء شمالي العاصمة، أي مع إثنية كانت قد تحالفت قواها مع الأمريكان إبان الغزو واستفادت منه.

والخلاصة، أن انتفاضة كابل والتي جاءت بعد أربعة أعوام احتلال، وفي ظل أوضاع إقتصادية سيئة حيث الوعود تبخرت، والمساعدات اختفت، والبنى التحتية لم تقم، والمذابح تتوالى، والتي أضرم منتفضوها النار في المقار الرسمية ومراكز الشرطة وصور الرئيس الأفغاني، ولم يسلم من غضبتهم لا البرلمان ولا القصر الجمهوري، قد فاجأت لعمقها الجميع، لدرجة أن يخلي الأمريكان وحلفاؤهم من دول المتعددة الجنسيات والناتو سفاراتهم تحسباً… وكان لافتاً حقاً أن تعتقل السلطات الأفغانية 106 من ذوي ضحايا المجزرة أو المشاركين في مواجهتها بتهمة مسؤوليتهم عن الحادث الدموي، وجاء ذلك بعد أن حمّل البرلمان وقرضاي كامل المسؤولية للمحرضين!

… وإذا كان هذا هو الحال الأفغاني، فماذا عن العراقي… إن الأخير، وبعد ثلاثة أعوام من الاحتلال أيضاً، ليس بأفضل منه في الأول، بل أكثر فظاعة وبؤساً ودموية بالنسبة للعراقيين، وأكثر إيلاماً للاحتلال الذي يواجه يومياً ضربات أسرع مقاومة عرفها تاريخ الاحتلالات… تلك المقاومة التي يقول الملا داد الحق أننا نتعلم منها!

إنها بحق حال يعكسها قول معروف لزلماي خليل زاد، الأشبه بالمندوب السامي الأمريكي في العراق، عندما قال: لقد فتحنا أبواب الجحيم، معترفاً بعجز بلاده المكتوية بلظاها عن إقفال ما فتحت… وفي ظل هذه الحال قبعت حكومة ما تعرف بالعملية السياسية في ظل الاحتلال خلف الحواجز الاسمنتية والأسلاك الشائكة في ما تدعى المنطقة الخضراء، وتحصن أولي الأمر من الغزاة الذين رعوها في بروج مشيدة من الاسمنت والفولاذ، أو في قواعد أو مناطق مقفلة محكمة الإغلاق، حيث بلغت الحال في بعضها أن يتلقف جنودهم طعامهم وهو يلقي لهم بالوسيلة الوحيدة المأمونة أو المتاحة أي الطائرات!

بل أنه في أكثر المناطق هدوءاً وفق توصيف المحتلين، قد أصبح حابل المقاومة يختلط بنابل صراع مافيات تهريب النفط وتنافس القوى الطائفية، كما هو الذي يحدث راهناً في البصرة، التي أصبحت تسير أمنياً على طريق بغداد، وربما قريباً كابل!

خلاصة القول، ليس من المستغرب أن يغدو البارومتر الأفغاني-العراقي محط أنظار العالم، الذي غدت خطوط دفاعاته المتقدمة ضد غوائل جموح الهيمنة الإستباقي في كابل وبغداد... العالم الذي يلحظ تأزم المشاريع الإمبراطورية للمحافظين الجدد في البيت الأبيض… إذ الكل داخل هذين البلدين المحتلين أولاً، وخارجها في أربع جهات الأرض ثانياً، بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها، أصبحوا لا يدانيهم شك في أن الاحتلال طال أو قصر هو في نهاية المطاف إلى رحيل، وأن آثاره، مهما جمُّلت أو رسخت، هي الأخرى إلى زوال، لا سيما وقد دخلت تداعيات الحروب الاستباقية على العرب والمسلمين البازار الانتخابي الأمريكي، وغدت تكاليفها الباهظة في حكم ما هو غير المستساغ أو حتى المحتمل من قبل الشارع الأمريكي ناهيك عن عدم استصاغته دولياً… والآن، هل من مخرج سوى هذا الرحيل؟!

هذا السؤال يقابله سؤال منطقي آخر: وهل من سمات وطبائع الإمبراطوريات أن تمتلك القدرة على ممارسة خيار التراجع؟!

… وأخيراً، وحيث لا حلّ إلا بالرحيل، ولا تراجع إلا ما لا يمكن ترجمته إلا طرداً… وحتى يأتي أوان الإجابة الحاسمة القاطعة على مثل هذين السؤالين اللذين يحملان معهما ضمناً إجابتهما، هناك حقيقة أصبحت في حكم الواضحة للقاصي والداني تقول:

إذا كانت مقاومة الأفغان ستحول استراتيجياً بين الأمريكان وقطع طريق الحرير، فإن المقاومة العراقية قد أوقفت فعلاً توالي عملية غزو المنطقة ودفنت بحق مشروع الشرق الأوسط الكبير … وعليه لا غرو أن حدث التحوّل الأمريكي الراهن… إذ لا مناص من أن يراجع الأمريكان مشاريعهم الكونية، بحيث لا عجب أن قالت لنا الأنباء أن المندوب الأمريكي في مجلس الأمن جون بولتون قد أجرى "محادثات لطيفة" نادرة مع نظيره الإيراني جواد ظريف حول الموقف الأمريكي!!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018