التعويم الإسرائيلي والعوم الفلسطيني../ علي جرادات

قرار شارون بفك الإرتباط مع غزة مِن جانب واحد، أي دون اتفاق مع السلطة الفلسطينية، لم يكن قراراً اعتباطياً، بل كان قرارا واعياً ومدروساً، وعلى صلة برؤية سياسية بعيدة المدى، تضمر تخطيطاً للمصير السياسي والإداري والقانوني لقطاع غزة خصوصاً، وباقي الأراضي المحتلة عام 1967 عموما. وأعتقد أنه، وبرغم إدراك الأطراف الفلسطينية للمغازي السياسية لخطوة شارون، إلا أنه لم يجرِ التصرف السياسي (داخلياً) وفقاً لمخاطرهذه المغازي.

مغازي أحادية خطوة شارون في غزة تتخطى أنه أراد الاحتفاظ باحتمالية أن يعود عنها بقرار أحادي "سيادي" إسرائيلي وقتما شاء، وتتجاوز أنه قرر "لَحْس" مترتبات اتفاق أوسلو كتلك المتعلقة بالميناء والمطار والممر الآمن بين غزة والضفة، وتتعدى أنه أراد ابقاء التحكم الإسرائيلي بغزة برا وجوا وبحرا قائماً. فهذا كله، وغيره لم نأتِ عليه، مفهوم، ويعكس خلافاً قديما بين حزب العمل وشارون، الذي رفض الموافقة على اتفاق أوسلو أصلاً، غير أن الأخطر في خطوة شارون الأحادية، إنما يكمن فيما أضمره، ولم يفصح عنه شارون، وتعمَّدَ تركه عائما ومبهماً، ليبقى مفتوحاً على كل الاحتمالات، لأنه لا يملك كامل مفاتيح اللعبة، ويتمثل في تعليق الصيغة السياسية والإدارية والقانونية النهائية التي يراها لغزة والضفة، كل منهما على انفراد مِن جهة، وللعلاقة فيما بينهما مِن جهة ثانية، ولعلاقة القدس بهما مِن جهة ثالثة، ولعلاقة كل ما تقدم بالمستقبل السياسي والإداري والقانوني للاجئين مِن جهة رابعة.

وفي سلوك شارون السياسي تجاه الضفة ما يؤكد ذات المغزى السياسي لفك الإرتباط مع غزة أحادياً. فهو بعد أن إجتاحها في آذار 2002، وإن لم يعلن حل السلطة الفلسطينية في مناطق "أ" رسمياً، فإنه أنهى ما كان لها مِن صلاحيات "انتقالية" وفق أوسلو عملياً، أي أعادها لصيغة الاحتلال المباشر واقعياً مِن دون أن يكون جهاز "الإدارة المدنية" الإسرائيلي بداخلها، وتلك أيضاً صيغة سياسية إدارية قانونية عائمة ومبهمة، جرى تعليقها لكي تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات.

بهاتين الخطوتين التعويميتين أعاد شارون الوحدة السياسية والإدارية والقانونية بين الضفة وغزة خطوة الى الوراء. فمعهما لم تعد الضفة وغزة موحدتين تحت صيغة الاحتلال رسمياً، رغم أنهما بقيتا كذلك عملياً، كما لم تعودا موحدتين تحت صيغة السلطة الفلسطينية الانتقالية واقعياً، رغم أنهما بقيتا تعتبران كذلك ظاهرياً. وكأن شارون أراد بذلك العودة الى صيغة "غزة أولاً"، بهدف التخلص مِن أعبائها، ذلك الهدف الذي تتوافق حوله تيارات سائد السياسة الإسرائيلية، بل وكان بيغن قد عرض هذه الصيغة رسمياً على السادات خلال مفاوضات كامب ديفيد المصرية، ولم يكف الإسرائيليون عن إعادة هذا العرض على مصر بصورة أو أخرى، وعندما توصل رابين وبيرس للقناعة بعدم امكانية قبول المصريين لهذا العرض، ولأسباب أخرى لا مجال للخوض فيها، قاما بطرحه على منظمة التحرير الفلسطينية، كأول صيغة في بداية مفاوضات أوسلو، غير أن الجانب الفلسطيني لم يوافق عليها إلا بعد إضافة أريحا الى غزة، لتصبح بصيغة "غزة أريحا أولاً"، كإشارة الى وحدة الولاية الجغرافية بين غزة والضفة، وهذا ما لم يكن شارون موافقا عليه، رغم إدراكه أن حزب العمل إنما يلعب بهذه الصيغة بهدف مقايضتها بقضايا اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود، وذلك عبرصيغة الإرجاء والتأجيل، وتقسيم اتفاق أوسلو الى مرحلتين: إنتقالية ونهائية، وهي الصيغة التي تبين في مفاوضات كامب ديفيد 2000 أنها لم تكن أكثر مِن حيلة، هدفت الى تأبيد الانتقالي وتحويله الى نهائي، مع تحسينات كمية لا تمس جوهر الرؤية الإسرائيلية، التي لا تعترف بالفلسطينيين كشعب، له أسوة بباقي الشعوب حق تقرير المصير في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة على أرضها وعاصمتها القدس، فضلاً عن رفض الإقرار بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم التي شردوا منها وفقاً للقرار الدولي 194.

ذلك هو المغزى السياسي البعيد والأخطر لشارون مِن وراء الخطوتين التعويميتين للسلطة في الضفة والقطاع، وهما الخطوتان اللتان كان مِن المفترض استكمال تطبيقاتهما على الأرض مِن خلال تطبيق خطة "الإنطواء" أحادياً في الضفة، التي تعرقل تنفيذها، و"لم تعد أولوية" بكلمات أولمرت، بفعل نتائج فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006.

وأظن أنه لو جرت الرياح كما اشتهت سفينة أولمرت كوريث لشارون، أي لو أنه إنتصر في لبنان، لكان نفذ خطة "الإنطواء" في الضفة، ولكان تبين أكثر الهدف السياسي لخطوتي شارون التعويميتين للسلطة في غزة والضفة، ولكانت إنكشفت الصيغة السياسية والإدارية والقانونية النهائية التي كان يحلم شارون بإيصال الضفة وغزة إليها.

وأعتقد أن شارون لم يكن يستثني امكانية العودة بالضفة والقطاع الى ما كانتا عليه قبل العام 1967 مع التعديلات الاحتلالية المفروضة، بل أعتقد أن تلك هي الصيغة التي كان يفضلها، ويستميت لتذليل الرفض المصري والأردني لها، مع عدم استبعاد امكانية ايجاد صيغة مختلطة، أي صيغة تقضي بتقاسم وظيفي ما، لكن شارون وأولمرت ومَن هم على يمينهما، لم يحلموا أن تقع حماقة فصل غزة عن الضفة بأيدٍ فلسطينية، الحماقة التي قادت بالنتيجة العملية الى دفع الريح في أشرعة سفينة الخطوتين التعويميتين لشارون. ولعل ردود الفعل الإسرائيليية على ما جرى مؤخراً في معبر رفح مجرد دليل دامغ على نوايا شارون مِن وراء تعليق الصيغة السياسية والإدارية والقانونية للسلطة في غزة، واستماتته لدفهعا الى الحضن المصري، ففي ذلك لو تحقق ضربة إسرائيلية لعدة عصافير بحجر واحد: التخلص مِن أعباء غزة السياسية والمادية والأخلاقية، وتحميل مصر مسؤولية ضبطها أمنياً، وتكريس الفصل الجغرافي والسياسي والإداري والقانوني بين غزة والضفة، الأمر الذي سيسهل الطريق أمام محاولة إيجاد صيغة سياسية وإدارية وقانونية مختلفة في الضفة.

ربَّ قائل: تلك صيغ تجاوزها الواقع، خاصة وأن الطرفين العربيين المعنيين بالموضوع لا يقبلان بها، وهكذا هي مواقف باقي الأطراف العربية ممثلة بجامعة الدول العربية، وهذا صحيح، غير أن هذا لا يعني أنه لا يوجد تخطيط إسرائيلي بدعم أمريكي للعمل بهذا الاتجاه، وليس بالضرورة أن يكون تنفيذه تماماً كما كان عليه الحال قبل عام 1967 (إدارة مصرية والحاق أردني)، بل يمكن أن يُفْرَضْ تحت مسمى حل عملي إضطراري مؤقت، أو يمكن أن يكون عبر تكريس واقع الانفصال القائم بين غزة والضفة في صيغتين سياسيتين إداريتين قانونيتين، أو يمكن أن يكون بتثبيت الإنفصال القائم كما هو والعمل على تعميقه، مع استمرار اللعب الإسرائيلي في الصيغتين التعويميتين الشارونيتين للسلطة في غزة والضفة لأطول مدى زمني ممكن.

في كل الأحوال، فإن بقاء حالة الإنقسام الفلسطيني ووليدها فصل غزة عن الضفة لا يمكن أن يكون إلا إجهاضاً للطاقة الفلسطينية عن مواجهة الهدف السياسي لخطوتي شارون التعويميتين، وسلاحا سياسياً مجانياً بيد ورثته للعمل على فرض باقي حلقات ما وراء هاتين الخطوتين مِن خطة سياسية مدروسة، جاء فشلهم في لبنان وعرقلها، بينما جاء فصل غزة عن الضفة بأيدٍ فلسطينية لينعشها، ويعطيها ظرفا مؤاتياً يدفعها خطوات للأمام، ويؤخر نقيضها الوطني الفلسطيني عقوداً للوراء.

خلاصة القول: إن الإنقسام الفلسطيني الداخلي ووليده فصل غزة عن الضفة!!!، هو، سيان بوعي أو مِن دونه، عوم سياسي فلسطيني في التعويم السياسي والإداري والقانوني الشاروني للسلطة في الضفة وغزة.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص