التفاوض تحت النار!../ جورج علم

بديهي أن تفاوض الولايات المتحدة الأميركية تحت النار. كذلك هي حال خصومها. لا أحد يجلس إلى الطاولة من دون خيارات عدة وبدائل، إلا من يريد توقيع صك الاستسلام. ليست هذه معطيات الأزمة الراهنة في منطقة الشرق الأوسط. هناك مأزق أميركي في العراق، وهو نفسه مأزق الآخرين في المنطقة. أميركا قادرة على تحويل هزيمتها إلى كارثة تصيب كل القوى الإقليمية. إذا فشلت المساعي السياسية والدبلوماسية، فالخيار العسكري ليس مستبعداً ولا هو بعيد المنال. هكذا تجمع الولايات المتحدة أوراقها. الحملة العسكرية في العراق، حشد الأساطيل في الخليج، تجميع القوى الدولية لتطويق إيران سياسياً، تقوية الموقف العربي المؤيد (تحالف المعتدلين) محور الدول السنية السبع في إسلام أباد، التنسيق بين المخابرات في لقاء الأردن مع رايس، عرقلة اتفاق مكة الفلسطيني، تعطيل التسوية السعودية ـ الإيرانية حول لبنان، ودعم مباشر لعناصر تفجير الأزمة اللبنانية إلى حدودها القصوى. التلويح بخلط الأوراق مجدداً، وبشكل خاص تسليط الضوء على القرار 1701 وسلاح المقاومة، المناورات العسكرية الإسرائيلية في الجولان، الإيحاءات الكثيرة الإعلامية وغير الإعلامية بدور المعارضة السورية.

استعراض القوة هذا هو أساسي في التفاوض الذي تحاول الولايات المتحدة الخوض فيه على شؤون المنطقة. وعبر استعراض القوة تغطية عناصر الضعف المتفاقمة، من المعارضة الداخلية وعلى رأسها الديموقراطيين، إلى النصائح المتوالية التي أطلقها تقرير بيكر ـ هاملتون، إلى التغطية على حجم الاعتراضات الدولية والمبادرات المطروحة لحل سلمي دبلوماسي لمسألة الملف النووي الإيراني، وتوسيع نطاق الحرب النفسية؛ من تكبير الصورة عن حجم الانشقاق السني الشيعي واحتمالات تفجّره في كل المنطقة، من لبنان إلى باكستان. تحجيم حدود التفاوض من جهة بحصره بالملف العراقي، وكأن هذا الملف يمكن معالجته بمعزل عن تعقيدات المنطقة. من جهة ثانية، استباق الإقرار والاعتراف بالدور الإيراني الإقليمي، وبالدور السوري، والحاجة إليهما، بالتقليل من أهمية اللقاء المقرّر لدول الجوار في 10 آذار، والتمهيد للقاء أوسع يضم وزراء الخارجية.

هذه الخارطة تؤكد على تحضير المسرح للتفاوض، لكن مع أكبر قدر من الضغوط المسبقة. إذا توافقت المصالح تبلور الحل السياسي، إذا تعارضت على نحو عميق، ازدادت الضغوط، أفلتت الأوراق، نحو احتمالات الحروب الصغيرة، على جبهة هذا الملف أو ذاك، وربما يتقدم الخيار العسكري الشامل.

لكن المتابع بدقة تفاصيل الحوارات الدائرة في المنطقة وحولها، لا سيما المعنيين مباشرة بالتداعيات الأمنية والسياسية الخطيرة لأي تصعيد، يدرك أن الولايات المتحدة واقعة تحت وطأة حسابات لا يمكن تجاهلها: من تهديد أمن قواتها في العراق وفي القواعد العسكرية المحيطة، إلى أمن النفط وأثره في الواقع الدولي، إلى أمن إسرائيل، إلى الفوضى السياسية في المنطقة، وهي منطقة نفوذ أميركي في مواقعها الرئيسية.

طبعاً لا يقلل ذلك من عناصر نقاط ضعف الخصوم، إيران وسوريا، لجهة حدود القدرات العسكرية، ولجهة حدود التطويق السياسي، وكذلك لجهة المزاج العربي العام الذي اشتغلت عليه أميركا وحققت فيه اختراقات واسعة. والنموذج اللبناني يشهد على هذا الصعيد.

وبالرغم من القضايا المعقدة والمتشعبة التي يصعب التكهّن بوجود حلول سهلة لها، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني والملف الفلسطيني الإسرائيلي، فليس متعذراً إيجاد تسويات جزئية تشكل مقدمات لاختبار النوايا وتمهّد لتفكيك التأزم الحاصل، ولا سيما بالنظر إلى حاجة جميع الأطراف المحليين إلى وقف الانهيار. فقد لامس الملف العراقي حدود تعريض دول الجوار إلى مخاطر حقيقية. إن استمرار الحرب الأهلية يؤسس اليوم لتوسيع الكيان الكردي باتجاه تركيا وإيران وسوريا. والصراع السني الشيعي يهدد المملكة السعودية وإيران وسوريا. باتت الحرب العسكرية ولاّدة تفجير لكيانات المنطقة ومكوناتها الإثنية والمذهبية. لم تعد ممكنةً ممارسة ضغط عسكري على هذا أو ذاك من المواقع والمحافظة على حد من الاستقرار والتماسك في النظام الإقليمي.

من هنا يحذر البعض من «الفوضى الخلاقة»، فإن لم تكن خطة مدبرة أو هندسة جديدة للمنطقة تتجاوز سايكس ـ بيكو، فهي ستكون واحدة من نتائج التداعيات المؤكدة لمستقبل الصراع. هنا تبدأ المراجعة الجدية، لأنه من الوهم تفريخ كل هذه الكيانات واستيعابها كلها تحت المظلة الأميركية على المدى البعيد.

إذا كانت الولايات المتحدة الآن تنفرد في السيطرة على الشرق الأوسط، وهي ما زالت إلى حد بعيدة طليقة اليد على المستوى الدولي دون قوى اعتراضية جدية تؤدي دور الشراكة، فهي ستضطر إلى التسوية حفاظاً على هذا التفرد. وهي الآن نجحت في استيعاب جزء مهم من القوى التي تضخ مشروعاً عدائياً لها، وفق ما جرى تصنيفه سابقاً «الإرهاب» أو «التطرف الإسلامي». وليس في أفق المنطقة بالمعنى الجدي للكلمة أي مشروع آخر نقيض. لذلك تفاوض أميركا تحت النار من أجل استيعاب خصومها.

"السفير"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018