الحرب الافتراضية / ساطع نور الدين..


التكهن سهل في ان اسرائيل وسوريا تبادلتا في الساعات الماضية الكثير من رسائل التهدئة، عبر اطراف ثالثة، قد يكون الطرف الاميركي اقلها شأنا.. على الرغم من انه يمكن الجزم بأن جبهة الجولان كانت بالامس، وستبقى في الغد، هادئة.
كرة الثلج التي تدحرجت سريعا بين تل ابيب ودمشق في الايام السابقة، ليست مؤشر حرب ولن تكون. لا حرب تخلو من عنصر المفاجأة مهما كانت درجة ثقة المبادر الى شنها بنفسه وقوته وقدرته على حسمها. ولا حرب ابدية ، تفتقر الى خطة للخروج منها، بوقف اطلاق النار ثم بالتفاوض الذي يعكس موازين القوى المستخلصة من نتائج المعارك على جبهات القتال. ثمة حرب يمكن ان تقع حفاظا على هيبة الدولة والجيش الذي يشعلها، وحرب اخرى تقع للثأر فقط وتلقين الآخر درسا موقتا.

ما جرى بين سوريا واسرائيل لا ينطبق على اي من هذه الاحتمالات. الارجح انه كان خطأ ارتكبه وزير الدفاع الاسرائيلي باراك اوباما، انتهزه وزير الخارجية افيغدور ليبرلمان كي يعبر عن حماقته السياسية وعن مستواه المتدني، وعمد رئيس الوزراء بنيامين نتيناهو الى الوقوف في الوسط بينهما، ليستكشف فرصة الافادة من كلامهما المتناقض، وما اذا كان يجب ان يميل في وقت لاحق الى احدهما، ام انه يجب ان يحتفظ بالادعاء انه الاكثر توازنا وحكمة من بقية اعضاء حكومته التي تضم ظواهر جنونية لم يسبق لها مثيل في تاريخ اسرائيل.

لا مبرر للحرب الفعلية بين الدولتين، لكن هناك اكثر من دافع لخوض حرب افتراضية، تطمح الى تحقيق اهداف محددة، قد لا تستطيع الجيوش التقليدية بلوغها، وأهمها العودة الى طاولة المفاوضات التي قد تصبح متعذرة في ظل اي حرب مهما كانت نتائجها، على ما اوحى به وزير الخارجية السورية وليد المعلم، في رده الاول على باراك، عندما قال ان الجيل السوري الحالي لن يكون مستعدا للتفاوض، وعندما اوضح للاسرائيليين والاميركيين ان سوريا ليست الحلقة الاضعف في المحور المناهض لهم، كما يزعمون بين الحين والآخر.

بديهي الافتراض ان اهم نتائج هذه الجولة من التوتر السوري الاسرائيلي، التي لم يكن لها اثر على الارض، هي توفير حافز اضافي جديد للاسرائيليين كي يعيدوا النظر في لغتهم اولا ثم في اولوياتهم السورية، وكي يشرعوا في البحث عن فتح القنوات الدبلوماسية التي عطلوها بأنفسهم مع دمشق، والتي لا تشمل القناة الاميركية الغائبة عن السمع لفترة لا يستطيع احد تقديرها، في ضوء الاداء البائس للرئيس الاميركي باراك اوباما وادارته. والعروض التركية والفرنسية وحتى العربية جاهزة لوصل ما انقطع في العام الماضي.

لكن هذا الاختبار المتبادل للقوة والهيبة، الذي انتهى بالتعادل، لن يكون الاخير. ثمة اختبارات عدة مقبلة، تلامس اللجوء الى الاشتباك غير المباشر، من اجل ان تصبح العودة الى قاعة المفاوضات اشد الحاحا مما هي الآن، وكي يجري تعديل شروط التفاوض التي لا يمكن للكلام العابر للحدود ان يحددها.
------
السفير

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018