الحرب في الميزان العسكري الاسرائيلي./ نواف الزرو

تكشف لنا احدث المعطيات و الاستطلاعات الاسرائيلية الاخيرة عن حقيقة كبيرة ساطعة بدأت تتكرس على الصعيد الاسرائيلي وهي ان "اسرائيل"منيت عمليا بهزيمة حارقة على يد حزب الله لن تنسى على مدى الاجيال الاسرائيلية.

فقد جاء في نتائج احدث استطلاع اجرته صحيفة هآرتس العبرية قبل يومين مثلا "ان 80% من الإسرائيليين يعتبرون أن إسرائيل لم تنتصر في الحرب على لبنان، ويفضلون الخيار الدبلوماسي على توسيع نطاق العمليات البرية". وأشار 43% من المستطلعين إلى أنه في مثل هذه الحرب لا يوجد منتصر ولا مهزوم وفق ما جاء في استطلاع رأي أجراه معهد " ديالوج" بإشراف بروفسور كميل فوكس من جامعة تل أبيب..

وفضلا عن ذلك بين الاستطلاع "أن شعبية رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت هبطت من 75% إلى 48 %، وكذلك وزير الأمن عمير بيرتس انحسرت شعبيته بشكل لافت من 68 % إلى 37 %، في حين أبدى 73% من الإسرائيليين عدم رضاهم من معالجة الجبهة الداخلية المتعلقة بالمدنيين".

لهذه النتائج في الميزان العسكري الاسرائيلي علاقة مباشرة بمفاهيم "قدرة الردع" و"كي او حرق الوعي" لديهم ..اذ سعت دولة الاحتلال منذ النكبة عام 48 الى انتاج رواية خاصة بها حول كل حرب بهدف التأثير في وعي الاسرائيليين انفسهم واحتلال الوعي العربي والفلسطيني على نحو خاص فضلا عن الوعي العالمي...

فقد سعت تلك الدولة على مدى العقود الماضية الى الترويج لروايةخاصة متميزة تصورها كصاحبة جيش صغير وذكي وقوي لايقهر و يحقق الانتصارات االسريعة الساحقة على مجموع الدول والجيوش العربية.

ولكن... نجح حزب الله وفقا لكافة المعطيات الاسرائيلية وغيرها في قلب كل الحسابات والتقديرات الاستراتيجية وفي تحويل الانتصارات الاسرائيلية السريعة والمذهلة الى هزيمة حرقت الوعي والمفاهيم الاسرائيلية...

في هذه الرواية الردعية الاسرائيلية المتميزة حتى المواجهة الجارية دعت افتتاحية صحيفة "هآرتس" منذ ايام قيادة الجيش الاسرائيلي إلى بذل كل ما في مستطاعها من "أجل انتزاع النصر" في هذه الحرب التي توشك أن ترتسم كـ"هزيمة حارقة" في الوعي العام، على حدّ تعبيرها.

ومما جاء في هذه الافتتاحية: "ليس متأخرًا بعد أن نطالب الجيش بألا يبقي دولة إسرائيل، عند انتهاء الحرب، مهزومة ومنكشفة أمام أية عصابة إرهابية قد ترابط على جميع حدودها وتوجه صواريخ ضد سكانها".

وتابعت "هآرتس": "رغم الجهود التي يبذلها رئيس الحكومة اولمرت وجنرالات الجيش الإسرائيلي لتعداد الإنجازات العسكرية، فإن الحرب تقترب من نهايتها، بينما تتراءى في نظر المنطقة ونظر العالم وحتى في نظر الجمهور الإسرائيلي كهزيمة حارقة ذات إسقاطات حبلى بالأمور المصيرية.

وختمت بالقول: "الآن في لحظة متأخرة لكن حرجة من هذه الحرب، من واجب الجيش الإسرائيلي أن يقترح، يوصي، يدفع، ويطالب بإذن سياسي- فلديه أصلاً إذن شعبي- بأن ينتزع الانتصار من بين فكيّ الهزيمة القريبة".

ولكن ...لم تسر الرياح عمليا كما تشتهي صحيفة هآرتس ....!
ويمكننا القول بدورنا في ضوء ذلك.. انه على خلاف استراتيجياتهم ومخططاتهم ومفاهيمهم الامنية المرتكزة الى حد كبير الى ما يسمى قدرة "الردع" و "حرق الوعي لدى الآخر"...وعلى خلاف ثقتهم العالية بالنفس وغطرستهم العسكرية المرتكزة ايضا الى تفوقهم الجوي واعتقادهم بامكانية الحسم العسكري السريع في اي مواجهة حربية مع اي طرف عربي ...فقد نجح حزب الله في هذه الحرب العدوانية الاسرائيلية الجرائمية المنفلتة في قلب كل الحسابات والتقديرات العسكرية ..وفي اسقاط النظريات والمفاهيم الحربية الاسرائيلية ...بل اكثر وابعد من ذلك فقد "رد نظرية "كي الوعي" الى نحورهم ...اذ كما نتابع منذ سنوات فقد اعتمدت المؤسسة العسكرية والسياسية الاسرائيلية سياسة "كي الوعي" الفلسطيني مثلا عبر المزيد والمزيد من القوة والبلطجة الحربية واجتياحات التدمير والقتل المكثف ضد الفلسطينيين...

فقد هدف جنرالات "اسرائيل" من خلال سياسات الاجتياحات والتدمير والقتل، التي نفذت في الأراضي الفلسطينية إلى تطبيق هذا المفهوم.. وكانت رسالتهم للشعب الفلسطيني من وراء ذلك تسريب مفهوم "كيّ الوعي" الى وعي وذاكرة الفلسطينيين والعرب.. واقناعهم باستحالة هزيمة "اسرائيل" واجبارهم على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية.. واجبارهم بالتالي على الاعتراف بقوة الاحتلال المطلقة ، مقابل الضعف والعجز المطلق لديهم ولدى العرب ، وايصالهم في نهاية الامر الى القبول بالحل السياسي المستند الى مبدأ القوة والبلطجة العسكرية والى الشروط والاشتراطات الامنية والسياسية الاسرائيلية ، وليس الى مبادىء وقرارات الشرعية الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة....!

في حربها على لبنان اعتمدت المؤسسة الحربية الاسرائيلية ذات المفاهيم المستندة الى بلطجة القوة والعربدة العسكرية بكافة تطبيقاتها وترجماتها على الارض على شكل عمليات القصف الجوي التدميري المكثف ما تسبّب في تدمير قرى لبنانية كاملة ومحوها عن وجه الارض وتدمير أحياء كاملة في العاصمة بيروت، إضافة الى استهداف كافة عناوين البنية التحتية اللبنانية من طرق وجسور وشبكات مياه وكهرباء وغيرها .. وكأنّ الجبروت الإسرائيلي يريد أن يقول للبنانيين وللشعوب العربية أيضاً: "هذا مصير مَن يحاول المس بإسرائيل... هذا هو الثمن ...".. يضاف الى كل ذلك كما هو معروف ذلك السقف العالي من الاهداف العسكرية والسياسية ومن المطالب والشروط التي يجب على لبنان وحزب الله ان يخضعوا لها ... اذ استبقت الحكومة الاسرائيلية مجريات ونتائج المعارك العسكرية على الارض، ووضعت سقفاً عالياً جداً لمطالبها ، على اعتبار أن الانتصار كما كان في الحروب السابقة، هو تحصيل حاصلٍ وستفرض "اسرائيل" مطالبها وشروطها في نهاية الامر وان الامر سيُنجَز على الأرض خلال أيام معدودة.. بل إن بعض الأصوات سُمِعت في إسرائيل وهي تطالب بمحو لبنان عن وجه الأرض...

ولكن ...عمليا على الارض وفي ميادين المواجهة والقتال هناك لم تسر الرياح بما تشتهي المؤسسة الحربية الاسرائيلية على الرغم من ان "اسرائيل " رمت بثقلها الحربي المعروف في هذه المعارك المتدحرجة حتى اليوم وانقلبت الامور رأسا على عقب وسقطت نظريات ومفاهيم حربية كما سقطت اهداف وآمال وتطلعات سياسية واستراتيجية اسرائيلية ...لم تأت كل هذه في حساباتهم على الاطلاق ...
فقد كان الإجماع الصهيوني في البدايات الحربية جارفاً ..واخذ يتراجع تدريجيا مع الايام والمعارك والخسائر والهزائم الجزئية المتراكمة ...كما اخذت تلك الأوهام المميتة التي أمسكت بالإسرائيليين تتبدد تدريجيا منذ الأسبوع الأول عندما اتضحت حقيقة المواجهات على الارض و تبيّنت قدرة المقاومة على مواصلة القتال بمنتهى الثقة بالنفس رغم "رعب الصدمة والتدمير الهائل للبنية التحتية" ورغم المذابح الجماعية ضد اطفال ونساء لبنان، لتنقلب كل الحسابات الاسرائيلية راسا على عقب.. ولتنسحق التقديرات العسكرية الاسرائيلية.. ولتتهاوى المفاهيم والنظريات الحربية بقوة مذهلة.. وليتحول المشهد الاسرائيلي من حالة النشوة والثقة المطلقة بالنفس والاعتقاد الراسخ بالانتصار السريع الساحق على حزب الله ..الى حالة اليأس والاحباط والاحساس بالهزيمة امام هذا ال"حزب الله" الذي لم له قناة ولم يضعف ولم يتفكك بل اراهم المزيد والمزيد من البأس والقدرات والارادة التي لا تهزم ....!

ولعل اعتراف الجنرال بنيامين بن اليعازر وزير الحرب الاسرائيلي سابقا وعضو في الطاقم الأمني- سياسي المصغر في مقدمة الشهادات الاسرائيلية التي تؤشر الى "كي الوعي" الاسرائيلي اذ قال في تصريح لإذاعة الجيش:" أن إسرائيل ذهلت من عدم قدرة الجيش على إخضاع حزب الله بسرعة وسلاسة وبشكل قاطع".
وأضاف بن إلعيزر " لم يعتقد أي واحد في الحكومة أن ذلك سيستمر كل هذا الوقت، وأن يكون لحزب الله نفس طويل بهذا الشكل. في الحقيقة كنا نعرف عن كمية السلاح الكبيرة التي بيد حزب الله، ولكننا اعتقدنا أن ضربة لبيروت ستحل المشكلة".

ومن جهته استخلص البروفيسور المشهور كرفلد وهو مؤرخ عسكري استراتيجي "ان الجيش الاسرائيلي لم يحقق انجازات في حرب لبنان ولم يهزم حزب الله ".

وهكذا توثق لنا المعطيات والاستطلاعات والشهادات الاسرائيلية الواردة اعلاه على السنة نخبة من الجنرالات والمحللين في الخلاصة المفيدة ما كنا قد بدأنا به : ان حزب الله - المقاومة نجحا عمليا في "كي الوعي " الحربي الاسرائيلي المتغطرس وفي قلب النظريات والمفاهيم الامنية الاسرائيلية رأسا على عقب ...وبالتالي في شطب الاجندات والطموحات والشروط الاسرائيلية وخفض وتقزيم سقفها ...ما دفع الادارة الامريكية الى فتح معركة سياسية /ديبلوماسية في محاولة منها لتحقيق اجندة ومطالب سياسية لاسرائيل لم ينجح الجيش الاسرائيلي بسلاحه الجوي ونخبه العسكرية في تحقيقها على الارض....؟!!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018