الشرق الأوسط يتغير فهل تغيّر إسرائيل سياساتها؟/ ماجد كيالي

يبدو أن منطقة الشرق الأوسط في مرحلة مابعد الحرب السادسة، لن تكون كما قبلها، ليس بالنسبة لإسرائيل فحسب، وإنما بالنسبة للسياسة الأمريكية، ولمختلف الأطراف الإقليمية، وضمنها أطراف النظام العربي.

السؤال الملح الذي يطرح نفسه، الآن، هو: إلى أين ستذهب إسرائيل من هنا؟ هل ستذهب نحو الحرب مجددا، لاستعادة صورتها كدولة رادعة، ولإعادة الاعتبار لجيشها، الذي اجبر على التقهقر (ثانية) في لبنان، وأيضا لتحقيق ماعجزت عنه في الحرب الأخيرة؟ أم أن هذه الدولة المصطنعة والمتغطرسة ستنطوي على نفسها، وتتعظّ أخيرا من الدروس والعبر التي حصلت لها في حربها ضد لبنان؟

واضح أن الوضع في المنطقة، على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لم يعد يحتمل استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، فهذه الحالة تمّ ترسيمها، أصلاً، بعد عدوان يونيو (1967)، أي في ظروف الحرب الباردة، ووفق منطق توازن القوى الذي ساد في ظل انقسام العالم إلى قطبين أو معسكرين (حتى مطلع التسعينيات). وفي حينه تم خرق هذه الحالة مرّتين، الأولى، حين قام جيشا مصر وسوريا بشنّ حرب اوكتوبر (1973) لاستعادة اراضيهما المحتلة، والثانية، في حرب يونيو (1982)، حين اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان للقضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية.

والحاصل فإن واقع المنطقة بدأ بالتغير منذ التسعينيات، نتيجة خروج الصراع العربي ـ الإسرائيلي، من إطاراته النظامية، كصراع مسيطر عليه بين دول معينة، ووفق معايير معينة، إذ باتت إسرائيل تواجه مخاطر جديدة ومختلفة، من ضمنها:

1ـ صعود حزب الله ومقاومته في لبنان، التي نجحت باجبار إسرائيل على الاندحار من جنوبي لبنان (مايو2000)؛ وشكلت تهديدا حقيقيا لها في حدودها الشمالية. وبديهي أن مشكلة حزب الله بالنسبة لإسرائيل، لاتتمثل به وحده، على أهمية ذلك، وإنما تتجسد، أيضا، بما يمثله هذا الحزب من مخاطر، بتأثيراته الأيدلوجية والسياسية في لبنان وفي عموم المنطقة، وأيضا، لجهة علاقاته الإقليمية.

2 ـ انتقال ثقل العمل الفلسطيني إلى الداخل، واندلاع الانتفاضة الأولى (1987ـ 1993) والثانية (2000ـ 2005)، كنمط كفاحي جديد، وتعزّز هذه الانتفاضة بالعمليات الفدائية المسلّحة، ثم بنمط العمليات التفجيرية (الاستشهادية) التي طاولت المدن الإسرائيلية ذاتها. وقد نجم عن كل ذلك اضطرار إسرائيل لإدخال تغييرات على سياستها إزاء الفلسطينيين، في جانبين، أولاهما، الاعتراف بقيام كيان فلسطيني في الضفة والقطاع، وهو ما تمثّل (كبداية) بالسلطة الفلسطينية (1994)؛ وثانيهما، تكريس سابقة الانسحاب من جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب تفكيك المستوطنات فيها، وهو ماحدث في قطاع غزة (2005) وفق خطة الانسحاب الأحادي. وبالتأكيد ما كان لهذين الأمرين أن يحصلا لولا تعزّز قناعة غالبية الإسرائيليين بتعذر استمرار سيطرتهم على الفلسطينيين، وأيضا لتزايد مخاوفهم من تآكل الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية، جراء الخطر الديمغرافي الفلسطيني.

3ـ بروز إيران كقوة إقليمية لايستهان بها، خصوصاً أن هذه الدولة لديها امكانيات مادية وبشرية وجغرافية كبيرة، ونفوذا كبيرا في الدول المحيطة بإسرائيل، وتسعى بكل جدية لتملك الطاقة النووية، ولتحصيل مكانة إقليمية متميزة في الشرق الأوسط، وهي فوق كل ذلك دولة معادية لوجود إسرائيل من أساسه.

4 ـ تزايد المخاطر الناجمة عن تعزز أنشطة الجماعات الارهابية المنفلتة من عقالها، على غرار تنظيمات على شاكلة "القاعدة"، على المستويين الإقليمي والدولي. ولو أن هذه المنظمات لم تضع إسرائيل على أجندتها إلا أن إسرائيل تنظر بعين الخطورة لإمكان قيام هكذا جماعات باستهدافها.

5 ـ تفاقم حال السيولة في النظام العربي، على خلفية الفوضى الحاصلة في العراق، وبحكم تآكل مكانة هذا النظام على ضوء اخفاقه في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وبسبب تفاقم حالة الاحباط في المجتمعات العربية. والثابت أن إسرائيل حاولت سابقا استثمار حال الركود والتكلس في النظام العربي لصالحها، وهي تنظر اليوم بنوع من الحذر لمحاولات تغييير "الستاتيكو" القائم في المنطقة، رغم عوائده الايجابية عليها. هكذا فعلى الرغم من العوائد الاستراتيجية التي كسبتها إسرائيل نتيجة سقوط نظام صدام في العراق، إلا أنها بدأت تراقب بقلق كبير الفوضى السياسية والأمنية الحاصلة فيه، خشية من انتشار عدواها في المنطقة، بحيث يطالها الأمر، وهذا مصدر خلافها مع الإدارة الأمريكية بشأن مشاريع "نشر الديمقراطية".

6 ـ تضاؤل قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على ضمان الاستقرار السياسي في الواقع العربي السائد، بواقع تخبطها في إدارة الوضع في العراق واخفاقها في فرض الأمن والاستقرار فيه، وفشلها في فرض مخططاتها الشرق أوسطية، ما يعني تضاؤل قدرتها على استمرار كفالتها لأمن واستقرار وتفوق إسرائيل.

وعن كل هذه التحولات يقول بن كاسبيت: "ستواجه اسرائيل في السنوات القادمة تحديات أساسية..إيران قد تحقق تطلعاتها نحو القوة النووية..ودولة الارهاب أقامها حزب الله في لبنان..وسوريا رفعت رأسها..وحماس تسيطر في قطاع غزة..كل هذا المحور يستهدف خنق اسرائيل واقامة ذراع تهديد استراتيجية..السلطة الفلسطينية تواجه خطر الانهيار التام، والاردن يتأرجح، ومصر ترتعد وتهتز، بل إن الشرق الاوسط كله يتململ مُهتزا، ومُحدقا ومتوقعا." (معاريف 25/8)

هكذا ثمة جدل محتدم في إسرائيل بشأن كيفية تعاملها مع التحديات الناشئة، عن الصدمة التي حدثت لها في حرب لبنان، وهذا الجدل يؤشّر على التوجهات التالية:

أولاً، تنامي شعور الإسرائيليين بأنه ثمة حدود للقوة، وان قدرة إسرائيل على الردع باتت عرضة للتآكل، ما يفيد بأنه لا ينبغي لها الاعتماد فقط على القوة العسكرية، لتعزيز وجودها ومكانتها في المنطقة، وإنما ينبغي أن يقترن ذلك أيضا بفتح المسار السياسي على مختلف الجبهات. في هذا الإطار يقول زئيف شيف: "على الدولة أحيانا أن تتلقى صفعة حتى تستيقظ للواقع الذي تغير من حولها. هذا حدث لإسرائيل في حرب الغفران التي كلفتها 2600 قتيل، وفي انتفاضة الأقصى التي حصدت أكثر من ألف ضحية. والآن ها هي تتلقى صفعة على وجهها في الحرب مع حزب الله. خسارة أن كي الوعي الإسرائيلي يستوجب سقوط الضحايا والدمار والآلام في كل مرة."(هآرتس 11/8) ويؤكد على ذلك رؤوبين فدهستور بقوله: "مثلما أفضت حرب الأيام الستة إلى تغير استراتيجي في الشرق الأوسط وتكريس مكانة إسرائيل كدولة إقليمية عظمى، قد تؤدي حرب لبنان إلى عملية معاكسة..هذه الحرب، كانت حربا على "الوعي" و"الردع". وفشلنا في الحالتين."(هآرتس 16/8).

ثانيا، تعزز قناعة مفادها أن على إسرائيل أن لا تعتمد بما يتعلق بأمنها ومكانتها، على دعم الولايات المتحدة، وهو ما أثبتته الحرب في لبنان. ويستنتج من ذلك شلومو بن عامي (وزير خارجية وأحد قادة حزب العمل سابقا) بأن على إسرائيل أن تتدبر نفسها بالمنطقة عبر عملية التسوية التي "باتت ضرورية أيضا بسبب الانخفاض المقلق في أسهم حليفة إسرائيل (الولايات المتحدة) في هذا الجزء من العالم وباقي أرجاء المعمورة". (هآرتس 22/8). وهذا يوسي ساريد (زعيم ميريتس سابقا)، يقول: "الولايات المتحدة بزعامة بوش دمرت قدرتها الردعية ومن خلال ذلك أيضا القدرة الردعية الإسرائيلية. إذا لم يكن الجني الأمريكي الذي سيطر على العراق مخيفا، فلا سبب للخوف من المارد الإسرائيلي."(هآرتس 11/8)

ثالثا، تعمق الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي بين اتجاهين متعارضين، أولهما، يعارض عملية التسوية، ويطالب بالتوجه نحو تعزيز قوة إسرائيل وإعادة الاعتبار لقوتها على الردع، كي تتمكن من فرض التسوية التي تريدها على الآخرين. وثانيهما، يطالب بتفعيل عملية التسوية، والتخلص من نهج التسويات الأحادية. لكن في كل الأحوال فلربما أن هذه الحرب أنهت تماما طريق الحل الأحادي، وضمنه خطة "الانطواء" الاولمرتية، بعد أن تبين إخفاقها في جلب الأمن لإسرائيل، في لبنان وفي قطاع غزة، وبعد أن أكدت الوقائع أهمية وجود شريك في عملية التسوية، وهو ما حصل بالنسبة في تجربتي التسوية مع مصر والأردن.

من المهم ملاحظة التطورات والتحولات الحاصلة في إسرائيل في المدى المنظور لأنها تؤشّر على اتجاه الرياح في الشرق الأوسط للمرحلة القادمة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018